حاجات مفقودة 

باب: من أنا اليوم

الكاتب: المرأة العربية اليوم

التاريخ: يوليو 13, 2026

هل تشعرين أن هناك أمور مفقودة في حياتك، ربّما لا تدركين ما هي تلك الأمور. لذلك نقدّم لكِ هذه القصص التي من خلالها قد تتعرّفين على بعض الحاجات المفقودة في حياتك. 

الأمان

فصل من حكاية”حياة”

لم أكن أشعر برغبة في العودة إلى المنزل حيث الصُّراخ والنٌّقد الهدّام والكلام السَّلبيّ. لم أكن قادرة على التَّنبُّؤ بردّ فعل أمّي الَّتي كانت تتّهمني بالغباء أو أبي الَّذي كان لا يجد فيَّ نقطة إيجابيَّة واحدة يمتدحها. كيف له ذلك؛ وأخي قد سلب كلَّ كلام الفخر والاعتزاز من لسانه وفكره! كانت أقصى أحلامي أن أتوارى في تلك الغرفة الخاصّة بي -ومعي مفتاحها- حتّى لا يدخل إليها مَن شاء ومتى شاء. اشتهيتُ أن أشعر باحترامٍ لكياني أو أن أعبِّر عن نفسي بحرِّيَّة دون مقاطعة أو ذمٍّ أو تحقير. في وحدتي تمنَّيتُ قلبًا حانيًا يسمع لي ويضمُّني أو قاضيًا مُنصفًا يُحامي عنّي ــــ بينما كان الكُلُّ أهمَّ منّي. كنتُ للكلِّ كما أراد، مطيعةً تسمع وتنقاد ولكنَّني بتُّ مُستنزَفَة لا أشعر بقيمتي، ومع هذا واصلتُ بذل الجهود الَّتي لم تبدُ يومًا كافية أو تفي بالغرض. 

اليوم أنا “حياة” حُطامُ فتاة تستجمع نفسها وتجبر كسرها، تبحث عن علاقة انتماء حقيقيَّة تبعث في نفسها الأمل من جديد. لا زلتُ أحاول وأفشل وأتألَّم عسى أن أجد مفتاح تلك الغرفة الَّتي أشعر فيها بالأمان دون أن تدميَ قدماي من أشواك هذه الحياة. هل سيأتي يوم أحنُّ فيه إلى رائحة خبز تنبعث من فرن ذلك المنزل، أو لربّما منزل جديد من صنعي؟

  • الحاجة إلى التَّشكيل
فصل من حكاية”ساره”

بدأتُ أشعر بالضَّياع، لم أعُد أستطيع تحديد موقفي من أمور كثيرة في حياتي. وخصوصًا بعد التحاقي بالجامعة أنا وصديقتي الحميمة منى. لطالما انبهرتُ بالآراء الَّتي تتبنّاها صديقتي تجاه الكثير من القضايا والمواقف الَّتي تتعرَّض لها يوميًّا بين الزُّملاء؛ فهي ثابتة في تعاملها معهم وتُناقِش رأيها بكلِّ وضوح وصراحة. وخصوصًا فيما يتعلَّق بالعلاقات، والمال، والدِّراسة. حتّى أخذتُ أتساءل في داخلي: لماذا لستُ مثلها؟ لماذا أجد صعوبة في تبنّي مواقف واضحة، وصريحة، وثابتة؟

إن أن جاء يوم، تجرَّأَتْ فيه منى -ودون تتردُّد- وواجَهَت تساؤلي هذا باستفسار مباشر وجَّهته لي. قالت: “مُنذ أن عرفتُكِ يا “ساره” وأنا غير قادرة على تكوين صورة واضحة عنكِ؛ فلا يمكنني فهم دستورك في الحياة، أو تمييز الأمور المهمَّة لديكِ من غيرها من الأمور الثّانوية؟ أحتار في معرفة ما يُزعجك وما يُرضيك. ولا أمتلك أدنى مؤشِّر يقودني إلى فهم هدفك أو نهجك لتحقيقه!

وما إن أكملَت كلامَها حتّى انهمَرت دموعي وأجهشتُ بالبكاء؛ فقد تلامسَت مباشرة مع تساؤلاتي وفجَّرَت حيرتي الَّتي لطالما كانت تنشد إجابات تُهَدّئ روع عاصفة تشويشها. منى، قد واجهَتني منى مع نفسي، ووضعَت أمامي تحدِّيًّا يحتاج إلى حسم وقرار لم أعُد قادرة على تأجيله أكثرـــــ إن أردتُ توجيه دفَّة حياتي إلى هدف واضح يحمي سفينتي.

  • الحُبُّ والتّرابط
فصل من حكايةمحبَّة

أسموني محبَّة، ولكن منذ نعومة أظفاري، والحُبُّ كلمة تُثير قلق عائلتي؛ إذ كانت تحمل في طيّاتها نوعًا من الرَّهبة والخزي عند نُطقها. كطفلة، لم أكن أعي أصل المشكلة، هل تكمن في الحُبِّ نفسه أم في الَّذي تعلَّمتُه عنه؟ أعلم أنَّ أمِّي كانت تحبُّني وكذلك أبي، وكنتُ المميَّزة لديهم. كانا يرعيانني ويبذلان كلّ ما في وسعهما ليوفّرا لي كلّ وسائل الرّاحة. ولكن كنتُ دومًا أتساءل عن غياب ذلك النّوع من الحُبّ الدّافئ القريب. مثل الَّذي كنت أراه على شاشة التّلفاز حيث اللّمسات والكلمات والتّعابير الّتي تنبض بالحياة. لم يستخدم والداي هذه اللُّغة الجميلة بل كان التَّوتّر في التّواصل والحِدِّيَّة في النِّقاش يسودان علاقتهما. أبي مشغول في تأمين أفضل حياة لنا وأمّي منهمكة في أعمال المنزل وإطعامنا. أعمق مشاعر الحُبِّ اختبرتُها عندما كنتُ أحقِّق إنجازًا ما فأرى الفخر يلمع في عيون أبي. بينما أخشى -في نفس الوقت- أن أخفِق في الارتقاء إلى هذا المستوى المُشَرِّف يومًا، فأفقد حبَّه.

أمّا اليوم، “محبَّة” صارت أمًّا! وها أنا أسعى جاهدةً في عائلتي الصَّغيرة ألّا يٌفارق العناقُ أحضانَنا أو كلامُ الحُبِّ شفاهَنا. ولا زلتُ أتوقُ إلى وقتٍ نوعِيٍّ نسرقه من مشغوليَّة الحياة لنقضيَه معًا. بحيث يشعر كلُّ واحد فينا أنه مهمٌّ، ومفهوم، وله مكانة خاصَّة في ربط أواصر عائلتنا.

  • الغاية والهدف
فصل من حكايةنجاح

خطواتي متثاقلة جدًّا، ما إن أعود أدراجي إلى البيت حتّى أستسلم إلى نوم عميق؛ كي لا أواجه يومي التّالي. فها قد تخرُّجتُ وحصلتُ على شهادة في تربية رياض الأطفال وغدًا لديَّ مقابلات في عدَّة أماكن للعمل. وبالطَّبع ما يلي هذه المرحلة، هو وابل الأسئلة الَّتي ستنهال عليَّ: لماذا اخترتِ هذا التَّخصُّص؟ ما هي دوافعك للعمل مع الأطفال؟ وغيرها من الأسئلة الَّتي لا أجد لها إجابات. لربّما سأفتعلُ إجابات معيَّنَة؛ لكي أستحقَّ الوظيفةــــ ولا أعلم حتّى إن كنتُ أكترثُ لها أو إن كانت ستُضيف أيَّة أهمِّيَّة.

فأنا لم أعتَد أن أختار الأشياء بحُرِّيَّة واستقلاليَّة،إذ لم يندرج ضمن سياق حياتي العائليَّة أن تدرَّبتُ على منهجيَّة لوضع الخطط الَّتي تتلاءم وميولي ونقاط قوَّتي. فأنا ممَّن وجدْن أنفسهنَّ على مقاعد الدِّراسة الجامعيَّة أدرس تخصُّصًا لم أفهم أبعادَه، ودون أن أسأل نفسي -ولو مرَّة واحدة- إن كان لديَّ ميول نحو الأطفال أوالتَّعليم كمجال أعمل فيه.

وهذا ينطبق على مقابلات عملي، فلستُ أنا مَن اختَرتُها. إنّما أخي الكبير -النّاطق الرّسميّ باسم العائلة- هو مَن أرسل شهاداتي والسّيرة الذّاتية من جهازه الخاصّ. والآن هو الوقت الذي كنت أخشاه في حياتي وهو أن ابدأ مسيرتي العملية في حقل ليس لي فيه أي رغبة. فلم تتاح لي الفرصة لكي اختار أو أضع أهدافا لحياتي. فوالديّ  لم يعطيانني فرصة لكي أخطىء أو أصيب في شيء بحجة أنهم يعرفون مصلحتي أكثر مني وأن رعايتهم لي  ليس لها مدّة صلاحية. 

أشعر أنني أنتمي فعلاً إلى رياض الأطفال كطفلة بحاجة لرعاية أكثر من كوني معلّمة رياض أطفال.  

  • الحاجة إلى الفرح والاحتفال
فصل من حكايةفرح

جلستُ معهنَّ في المقهى المُعتاد وطلبتُ القهوة. كنّا أربع صديقات اعتدْنا أن نلتقي كلَّ نهاية أسبوع؛ لكي نرفِّه عن أنفسنا بعد أسبوع طويل من العمل. وما كان يُدهشني هو كمِّيَّة الإطراء المُقَدَّم لطعم القهوة اللَّذيذة وأصناف الحلويّات، عدا عن إطلاق النُّكَت والضَّحكات من قِبل صديقاتي، والسُّخرية من بعض المواقف الَّتي مرَرْنَ بها خلال الأسبوع -حتّى وإن كان بعضها مُوجعًا- إلّا أنَّهنَّ كُنَّ قادراتٍ على تحويل الموضوع إلى نِكات تطلِق لهنَّ العنان في الضَّحِك والتَّرفيه عن أنفسهنَّ. كنتُ أبتسم مجاملة لهنَّ، ولكنَّني لا أجد في نفسي الطّاقة الكافية لكي أُطلِق ضحكاتٍ من القلب مثلما يفعلْنَ. 

لم أعتَد في عائلتي على مثل هذه الأجواء المُفرِحة والاستمتاع بالأمور الصَّغيرة، بل بالعكس. فقد كانت عائلتي تعتبر مثل هذه التَّصرُّفاتِ نوعًا من التَّفاهة، بحيث تعلَّمنا أنَّ الحياة لا تحتمل هدرَ الأوقات إنّما ينبغي أن نقضيَها في الأمور الجادَّة، والعمَل، والإنجاز. حتّى أنّني لم أختبِر يومًا أيَّ نوع من الاحتفال بإنجازاتي؛ سواء الدِّراسيَّة أو المهنيَّة؛ فهي مُسَلَّماتٌ لا يتوجَّب الاحتفال بها.

لذا بات لقائي بصديقاتي مصدرَ إحراج؛ فلم أعُد أشعر أنّي قادرة على التَّكيُّف مع جوِّ المرَح الطّاغي هذا الَّذي لا أشعر بأنَّ لي نصيبًا فيه أو -على الأقلِّ- ما أضيفُه إليه.

  • الحاجة إلى الحدود 
فصل من حكايةريما

في عيون زملائي في الجامعة، أنا شخصيَّة محبوبة جدًّا؛ لأنَّني دائمًا متوفِّرة لمساعدة مَن يستعين بي ولا أرفضُ طلبًا لأحد، فمحبَّة النّاس بالنِّسبة إليّ هي رأس مالي وما أفتخر به. ولكن لا يخلو الأمر من بعض الإرباكات الَّتي أتعرَّض لها نتيجة انفتاحي المبالَغ به على زملائي والأشخاص الَّذين يعبرون طريقي. 

لهذا تجدني مستعِدَّة لمشاركة أموري الخاصّة حتّى مع بوّاب عمارة كليَّة الآداب الَّتي أدرس فيها. كثيرًا ما يتطوَّر الحوارمع أيِّ شخص بسرعة، فأبوح بما يُضايقني وما مررتُ به في يومي. أشعر بأنَّه-رغم محبَّة زملائي لي- إلّا أنَّهم يخشون من مشاركتي بأمورهم الخاصَّة؛ إذ يعلمون أنَّني أعاني من مشكلة وضع الحدود لنفسي. وليتها تقف عند حدودي الشَّخصيَّة بل ما يؤلمني أنَّني قد أتجاوز حدود خصوصيَّة غيري، فأشارك من حياتهم الخاصّة أيضًا. 

لقد نشأتُ في بيت لم تكن فيه ضوابط تحكم العلاقات؛ سواء بين أفراد عائلتي أو مع الآخرين. لا أذكر أنّه تمَّت معاقبتي يومًا لتماديَّ أو تخطَّي حدودي. أمّا الآن، فكلّي استياء؛ لأنَّني قد بدأتُ أحصد نتيجة هذا الزَّرع في حياتي، كما أفتقر إلى مهارة وضع قوانيني الخاصَّة والحدود الَّتي تحميني وتحمي الآخرين.

إنّي “ريما” أقف الآن أمام تحدٍّ كبير، وهو إعادة الثِّقة التي خسرتُها بين أصدقائي. لم يعُد الحُبُّ وحده مطلبي إنَّما أريدُ أن يثق بي الآخرون، أظنُّني بحاجة إلى مساعدة!

  • الانتماء
فصل من حكايةأصالة

هل أنا وحدي مَن أشعر أنَّ هذا ليس مكاني؟ صديقاتي يخبرْنَني القصَّة تلو القصَّة عن تاريخ عوائلهنّ ويستمتِعن في قصّ روايات الزَّمن الجميل عن أجدادهنَّ وأنسبائهنَّ، فينتابني هذا الشُّعور المُختَلَط من المرارة والغيرة ممزوجًا بنوع من الاستهزاء. لطالما تمنَّيتُ لو وُلدتُ في عائلة أخرى أرفع بها رأسي، فما أستذكره في ذهني عبارات، مثل: “عمُّكِ سلب مال والدِك، عمَّتُكِ لا تُحبُّنا بل تغار منّا، جدَّتك تميِّز بين أولادها وتتمتَّع في إذلالنا وتحقيرنا، خالكِ عارٌ على العائلة في مسلكه”، وغيرها من القصص الَّتي لا تترك مجالًا لإرث أحتمي به، الحقد يجري في دمائنا ويتوارثه جيل تلو الآخر؛ نساء مهمَّشات ومُستَضعَفات رغم تميُّزهنَّ وتحمُّلهنَّ، يا لها من إخفاقات تُحزِن حتّى بات فقدان مَن يُعدّون “أحبّاء” لا طعم له.

ماذا عنّي “أصالة”؟ كيف سأكمل المشوار؟ هل سيُنقَش اسمي يومًا على شجرة هذه العائلة؟ كيف سيكون شكل أوراقي فيها؟ هل ستنتمي عائلتي إلى هذا الجذر، هل سيكون إرثهم مصدر خجل لهم أيضًا؟ أمّا أنا فأختار أن أتبنّى فكرًا مختلفًا، أختار أن أورِّث أبنائي عادات وتقاليد تُشعرهم بالاستقرار والدَّيمومة. فأستصلح القديم وأقلِّم التُّربة لتتنفَّس حياةً من جديد. يكفينا تخبُّطًا وتشويشًا في الهويَّة، أريدهم أن يفتخروا إذ يسمعونني أروي قصَّتَهم. أريد أن أرى عيون الإعجاب تتَّسع لسماع المزيد ممَّن سيروونه -هم بدورهم-لأحفادي. أريدهم أن يضعوا اسمهم بفخر على ورقة دائمة الخُضرة لتُزَيِّن شجرةً تستمدُّ ثباتها من جذور راسخة طيِّبة.


كورسات مجاناً؟ سجلّي الآن!!

#المرأة العربية اليوم #قصص #مفقودات