الغاية: ما بين الأحلام والإمكانيات  

باب: اين أنا غداً

الكاتب: المرأة العربية اليوم

التاريخ: أبريل 2, 2026

إن أردنا لسفينة حياتنا أن تصل إلى غايتها، فمهما كانت قويّة، يستطيع شَرخ في أعماقها أن يُغرِقها في النهاية. لكن ليس هذا ما نسعى له، لا نسعى أن تكون حكايتنا كحكاية التيتانيك، بل حكاية تروي نجاحنا في الوصول إلى غايتنا في بحر الحياة، في أيامنا المشرقة تمامًا كما في أيامنا العاصِفة. 

نحتاج أن نبحث فيها عن أفضل وجهة لرحلتنا. إلى أين نحن ذاهبون؟ وأيّ طريق نسلك؟ الطرق كثيرة، فكما يُقال: “كل الطرق تؤدّي إلى روما”. فكيف نختار طريقًا دون غيره؟

الأحلام 

“بعض الناس يرون الأشياء كما هي ويتساءلون لماذا، وآخرون يحلمون بأشياء لم تكن أبداً ويتساءلون لم لا”. جورج برنارد شو 

رأى نجيب محفوظ – الأديب المصري المشهور- طفلًا يبيع الحلوى عند إشارة المرور. فقال: “وأحلامُ الأطفالِ قطعةُ حلوى.. وهذا طفلٌ يبيع حُلمه!”

كم طفلة في داخلنا باعَت حُلمها وتخلّت عنه. فكان كفقاقيع الصّابون، في أوّل تلامس له مع خيبة أمل عشناها أو مخاوف نخشاها أو استهتارات اختبرناها ذهب ولم يبقَ منه إلا رذاذ الصابون في أعيننا. فاستيقظنا على ألمِ واقعٍ لا يؤمن بالأحلام.

يقول الشاعر فاروق جويدة في قصيدة “لو أننا لم نفترق”: 

مهما توارى الحلم في عيني وأرّقني الأجل

ما زلت ألمح في رَماد العمر شيئًا من أمـَل 

فغدًا ستنبُت في جَبين الأُفق نجمات جديدة

وغدًا ستُورِق في ليالي الحزن أيام سعيدة

وغدًا أراك على المدى شمسًا تضيء ظلام أيامي

وإن كانت بعيدة

هي ثلاثة حروف لنا أن نختار كيف نعيشها. ألم أو أمل. لن نَدع ألم واقعنا يسرق منّا أمَلنا. فتعالي نحلم معًا.

لماذا نحلم؟ 

الحُلم يؤتينا اتجاهًا محدّدًا ويُضاعف إمكانياتنا. يساعدنا على ترتيب أولوياتنا ويضفي على عملنا قيمة. 

الحلم يُنبئ مسبقًا بمستقبلنا.  

الإمكانيات

هي الوسائل التي تحت التّصرّف أو الطّاقات التي يمكن الاستفادة منها. معجم اللغة العربية المعاصر. 

يُقال أن رجلاً أراد أن يبيع بيته وينتقل إلى بيت أفضل، فذهب إلى أحد أصدقائه وهو رجل أعمال وخبير في أعمال التسويق، وطلب منه أن يساعده في كتابة إعلان لبيع البيت. كان الخبير يعرف البيت جيداً، فكتب وصفاً مفصّلاً له أشاد فيه بالموقع الجميل والمساحة الكبيرة ووصف التصميم الهندسي الرائع، ثم تحدّث عن الحديقة وبركة السباحة. ثم قرأ كلمات الإعلان على صاحب المنزل الذي أصغى إليه في اهتمام شديد وقال: أرجوك أعد قراءة الإعلان.

وحين أعاد صديقه القراءة، صاح الرجل يا له من بيت رائع! لقد ظللت طوال عمري أحلم باقتناء مثل هذا البيت، ولم أكن أعلم أنني أعيش فيه إلى أن سمعتك تصفه. ثم ابتسم قائلاً: من فضلك، لا تنشر الإعلان فبيتي غير معروض للبيع!

كثيرًا ما نكون مثل هذا الرجل، غير مدركين لما عندنا من مزايا وإمكانيّات من مهارات وقدرات ومواهب وكفاءات. فجَهلنا بما نملكه، أو عدم ثقتنا واقتناعنا فيه لا يدفعنا إلى استغلال ما عندنا أو توظيفه في نموّنا وتحقيق أحلامنا وأهدافنا. 

كبرنا ولسان حالنا يُردِّد هذه العبارات: “أنا ما بقدر”، “في كتير أفضل مني“، “ما عندي كفاية”، “أنا ما بنفع لإشي”، “جرّبت وما عرفت ليش أغلّب حالي”، “أنا إمكانيّاتي بسيطة على قدّي”، “أنا شو بيفهمني”، “امشي الحيط وقول يا ربّ الستر، شو دخلني”.  وقد وصل الحدّ عند بعضنا أن توقّفنا وتخلَّينا عن أحلامنا وطموحاتنا وأهدافنا. ظانّين أنّ ما نحن عليه الآن لا ولن يُجدي نفعًا لنا أو لغيرنا. فنعيش إما في حالة من الجفاف كالشجرة التي فقدت كلّ عناصر التغذية اللازمة لنموّها وإثمارها. أو نعيش حالة من الركود، تمامًا كالمياه الراكدة التي تبدو وكأنّها مياه صافية نقيّة من الخارج، إلا أنها أصبحت ملوَّثة من الداخل وغير نافعة. في الحالتين، نحن لا نشبع ولا نُشبِع، لا نرتوي ولا نروي، لا ننمو ولا نُثمر. 

إن قرار تغيير واقعنا هو مسؤوليتنا نحن فقط. نحن نختار في كل لحظة “أن نكون” أو “لا نكون” ما يمكننا أن نكونه. بالرغم من كل ما مررنا أو نمرّ به، بالرغم من كل التحدّيات والمعيقات والمحدّدات، لا شيء يستطيع أن يسلبنا إرادتنا في أن ننمو ونسعى نحو غايتنا ومهمَّتنا التي وُجدنا لتحقيقها. لن تكون رحلة سهلة مفروشة بالورود، ولكن الوقت سيمضي بأية حال، فلنا أن نختار أن نكون يوم غد أفضل من اليوم، أن نكون بعد أسبوع من اليوم أنضج ولو أكثر بقليل من اليوم، أن نكون بعد سنة قد تقدّمنا ولو خطوة بسيطة نحو ما نستطيع ونريد أن نكون.

صحيح أنّ إمكانيّاتنا تختلف عن غيرنا، لكن لا يعني هذا أنّنا لا نمتلك الإمكانيّات أو أن إمكانيات الآخرين أفضل.

إذا أردنا أن نعيش حلمنا فلا بدّ من أن نوظّف إمكانياتنا ونسدّ الفجوة بين “ما نحن عليه الآن” و“ما يمكننا أن نكونه”. فكلّ منّا تملِك ما يلزمها لتنمو وتُحقِّق أحلامها وغايتها. إنْ كنتِ قد عشتِ في عائلة كمعظم عائلاتنا ودرستِ في مدرسة من مدارسنا فلا بدّ أنك واجهتِ في مرحلة ما الشكّ في أنك تملكين الإمكانيّات الكافية أو اللازمة، أو أنك تهدرينها في المكان الخطأ، أو أنكِ تملكين الكثير من الإمكانيّات لكن ليس لك فرصة.

ببساطة، كل منّا تمتلك نقاط قوّة في مناطق أكثر من غيرها. فمثلاً، منّا من تمتلك إمكانيّات في التعليم أكثر من إمكانياتها في الكتابة، أو إمكانيّات في الموسيقى أكثر من تقديم المشورة أو إمكانيات في التّخطيط للأمور أكثر من ابتكار الأفكار. لذلك مهما عَمِلنا جاهدين في تنمية المناطق التي تقلّ فيها إمكانيّاتنا الطبيعية فإنّ التقدّم والتّحسّن فيها سيكون أقلّ بالمقارنة مع المناطق التي تكون فيها إمكانيّاتنا الطبيعيّة أقوى. هذا لا يعني أننا لا نعمل عليها ونطوّرها إذا لزم الأمر وتطلّبت طبيعة حياتنا وعملنا ومسؤوليتنا ذلك، لكن لا نفشل عندما لن نصل فيها إلى أعلى المستويات، يكفي أن نستطيع أن نقدّم فيها ما يكفي لعدم إعاقة تقدّمنا ونمونا. 

القوة لا تأتي من الأشياء التي تستطيع فعلها، بل من الأشياء التي اعتقدت يوماً أنك لن تستطيع التغلب عليها. غاندي

تحدّي الفجوة

لكلِّ كأس سعة محدّدة. فإذا ملأنا الكأس إلى نِصفه، فهذا يعني أننا لم نَستغل كل سِعة الكأس بل نصف سِعته. نحن أيضًا، لكلّ منّا سِعة في قدراتنا وإمكانياتنا التي تُساعدنا في الوصول إلى مبتغانا. إلا أننا كثيرًا ما نسمح للفائض من سعة احتمالنا لضغوط وتحدّيات الحياة تتقاطع مع سعتنا الفعليّة من حيث المهارات والمواهب والقدرات والطاقات. ففي لحظات الإحباط واليأس والتعب الشديد نظنّ أنّنا وصلنا إلى أقصى إمكانيّاتنا وطاقاتنا ونردّد عبارات مثل: “مش قادرة أتحمّل أكثر”، “وصلت لمرحلة الاحتراق”، “ما ضلّ عندي إشي أعطيه”. 

صحيح أن كأسنا قد تمتلئ من مشاعر مختلفة وتفيض في مرحلة ما بسبب كل ما نمرّ به، وينعكس ذلك على واقعنا وما نفعله. لكنّنا هنا لا نتحدّث عن كأس عواطفنا إنما نضع تركيزنا على سِعتنا من حيث تطوير إمكانيّاتنا المختلفة من مهارات وقدرات سينعكس نمونا فيها إيجابًا على نموّنا في كلّ جوانب حياتنا وحتى على سعة كأس عواطفنا.

إن كنّا نظنّ أن سعة كأسنا قليلة، فنحن مخطئون جدًّا. إن سِعة كأسنا أكبر بكثير مما نعتقد.

كم من مرّة تفاجأنا ونحن نُشاهد أحد المشاركين في برامج اكتشاف المواهب وهو يُفجِّر إمكانيّات لم يُظهِر شكله الخارجي أو أسلوبه في الكلام أنّه يمتلكها. فيترك كلّ من شكّ فيه فاتحًا فاه من الّدهشة، ويتسابق الحكّام في مدحه والثّناء على إمكانيّاته غير المتوقَّعَة. لقد اختار هذا المُشارِك أن يَخرج عن صمته، أن يُثبِت لنفسه ولكلّ مَن حوله أن ما يوجد في داخله أعظم بكثير مما نظن. أنّ هناك طاقات وإمكانيّات كامنة تحتاج فقط لقرار منه لتنطلق وتُحلِّق وتثور على كل اعتقاد كاذب قيّد حريتها وأعاقها.

إمكانيّاتنا تنبع من داخلنا. ولا يعني هذا  أنّنا لا نحتاج أن نُطوِّر إمكانيّاتنا ونصقلها وندعمها بمهارات وقدرات جديدة بالتعلّم والتّدريب والتجربة. إلا أنه قد يَحول كبرياؤنا أو خوفنا دون أن نُجرِّب أشياء جديدة أو نتعلّم ونطرح الأسئلة ونحاول مرّة تلو الأخرى. وذلك إما خشية أن نَظهر بمظهر الأغبياء أو أن نفشل في عيون أنفسنا أو في عيون الآخرين حولنا. فنظلّ قابعين داخل منطقة راحتنا بدل أن نكافح لبلوغ أقصى إمكانيّاتنا.

التحدّي في سِعة كأسنا، هو الفجوة بين الشخص الذي نحن عليه اليوم والشخص الذي يجب ونستطيع أن نكون عليه للوصول إلى أحلامنا وأهدافنا وغايتنا. فقط من خلال تطوير إمكانيّاتنا يُمكننا الوصول إلى سِعتنا وقدرتنا الكاملة. 

قد نتغاضى عن هذه الفجوة. ونكتفي بما يُسمّى “أسلوب البوفيه” نأخذ قليلاً من هذا وقليلاً من ذاك. نعمل ضمن إمكانيّة محدّدة قليلاً هنا وإمكانيّة أخرى قليلاً هناك. فلا ننمو بكلّ المجالات التي نستطيع ونحتاج أن ننمو فيها بالشكل الصحيح والمناسب. وقد لا ننمو أصلاً، فنحن فقط نستعمل ما عندنا ضمن أُطر محدّدة غير استراتيجيّة. تفتقر إلى كل متطلَّبات النّموّ التي نحتاجها لتحقيق أحلامنا وغايتنا.

أحلامنمو = وهم
إمكانيّةنمو =ندم

عندما ننمو بإمكانيّاتنا عن قصد، فإنَّ ما بدا مستحيلاً بالأمس، يبدو مُمكنًا اليوم.

  • لا تقارني نفسك بإمكانيّات شخص آخر – فقط قومي بقياس نفسك حسب إمكانيّاتك الشّخصيّة. هذا هو المكان الذي تُوجد فيه أكبر فرصة لك ِللنّموّ. 
  • إن كان ما فعلته أمس ما يزال يبدو كبيرًا إلى حدّ ما في نظرك، فإنك لم تُنجزي ما يكفي اليوم. 
  • في مقابلة تلفزيونية سُئل أحد أدلّاء الشيريا من النيبال عن سبب مساعدته المُتسلِّقين على الوصول إلى قمة جبل إفرست فأجاب: “لأساعد الآخرين على القيام بشيء لا يستطيعون أن يقوموا به منفردين”. فقال الذي يُجري المقابلة: “ولكن ذلك ينطوي على الكثير من المغامرات وكثير من المخاطر. فلماذا تُصرّ على اصطحاب الناس إلى قمة الجبل؟” فابتسم الدليل وقال: ”واضح أنك لم نصل إلى القمّة قط”.
هل فات الآوان؟

”لا يفوت الأوان أبدًا لتصير ما كان يمكن أن تكونه” الروائي جورج إليوت

هل تعلمين؟ 

  • دماغ الانسان يستمرّ بالتكيّف مع المتغيّرات والخبرات والمدخلات التي يتعرّض لها بفضل عمليّة تُسمّى “المرونة العصبيّة”.
  • في كل مرّة نتعلّم أمورًا جديدة أو مهارات معيّنة فإننا نحفّز الدماغ على تشكيل مسارات عصبية جديدة أو نعيد تنظيم المسارات الموجودة بالفعل مما يغيّر طريقة تعامل الدماغ مع الأمور وتنظيم المعلومات للتكيّف مع مطالب المهمّات الجديدة والاستجابة للتجارب والسلوكيات المختلفة. 
  • مهما كان عمرك فلا يزال دماغك يستطيع تعلّم مهارات جديدة.

كورسات مجاناً؟ سجلّي الآن!!

#الاحلام #الامكانيات #الغاية #المرأة العربية اليوم