الغاية: فاعل أم مفعول به؟
باب: اين أنا غداً
الكاتب: المرأة العربية اليوم
التاريخ: نوفمبر 2, 2026
إن أكبر مأساة في الحياة ليست الموت، ولكن الحياة دون غرض. من الخطر أن تكون على قيد الحياة ولا تعرف السبب في منحك الحياة”. مايلز مونرو
من منّا تنسى حصّة اللغة العربيّة والمعلّمة تشرح الدرس مرارًا وتكرارًا. الفاعل: هو من قام بالفِعل. المفعول به: هو من وَقع عليه فِعل الفاعل. حَفظنا هذه القاعدة عن ظهر قلب. ولكن نسينا تطبيقها خارج الحصّة. اكتفينا بالإعراب في ورقة الامتحان وتماطلنا عن الإعراب في حياتنا عن ما نَطمح له ونحلم به ونريد أن نسعى وراءه. خِفنا أن لا نحصل على علامة من الآخرين تؤهّلنا لتحقيق ما نَصبو إليه. فاكتفينا أن نكون فاعلين في حصّة اللغة العربية ونبقى “مفعولاً به” في واقع حياتنا اليوميّة.
في محاضرة ألقتها الشاعرة والأديبة مي زيادة عن “غاية الحياة” تقول: “ليست الصعوبة في المُجاهدة لنَيل غاية عزيزة، وإنّما الصعوبة الموجعة على الرجل والمرأة معًا في عدم وجود الغاية، أوجع شيء للمرأة أن تكون مُبهمةَ المطالب، والمستقبل أمامها صفحة خاوية خالية ليس فيها بارقة أملٍ ولا كلمة عزاء. كثيرات هنَّ التعبات اللاتي وقعن فريسة ذلك الشلل المعنويِّ، مولِّد المجازفة والانحطاط الذي يُدعى: السآمةَ…”
السؤال الحقيقي لنا هو أن نختار أن نبقى “مفعولاً به” نترك للآخرين أن يرسموا أين سينتهي بنا المطاف، أم “فاعلاً” له غاية ونرسم طريقنا الخاصّ لبلوغها؟ إن الخيار في أيدينا.
يذكر أم. إي. بي سَليغمان (M.E.p. Seligman) الذي يُعدّ الأبّ الرّوحي لعِلم النَّفس الإيجابي، إنّ هناك ثلاثة أنواع من الحياة يتطلّع إليها البشر:
النوع الأول: الحياة السعيدة (The pleasant life)
وهي الحياة الملآنة بالخبرات المُسِّرّة والمشاعر الطيبّة والشعور العام بالرضى والبُعد عن الصّراع والمعاناة.
النوع الثاني: الحياة الجيّدة (the Good Life)
في هذا النوع يكون الانسان قد أَتقن المهارات الأساسيّة اللازمة لتحقيق احتياجاته الاساسية، ثم تخطّى ذلك لكي يتعرَّف مواطن القوة الخاصّة التي يتميّز بها وبدأ يستخدمها ويوظّفها ليعيش حياة غنيّة من النجاح والإنجاز. مثل هذه الحياة هي التي يعيشها مَن يخترعون ويبدعون ويؤسسون أمورًا تُغيّر وجه الحياة في مجتمعاتهم، بل في العالم بأسره. وتبقى هذه الأمور ليَذكُرَهم التاريخ ويربطها بأسمائهم.
النوع الثالث: الحياة الباحثة عن المعنى (The purpose driven life)
هؤلاء لا يكتفون بالحياة السعيدة ولا الحياة الجيّدة. في إطار البحث عن المعنى يبحث الناس ليس عن أفضل نقاط قوّتهم ليصيروا أكثر نجاحًا فقط، بل يفعلون ذلك في إطار خدمة أمرٍ أكبر من أنفسهم. في سبيل وصولهم إلى المعنى، قد يفقدون السعادة في الكثير من الأحيان، وقد يفقدون “النجاح” الماديّ والمهني في الحياة. هؤلاء يَرون منظورًا آخر لإيجاد النّفس، وهو أن يعيش الإنسان لهدف أكبر من حياته نفسها.
إن الهدف والغاية الأسمى من حياتنا أعظم كثيرًا من مُجرّد إنجازاتنا، أو سلام ذهننا، أو حتى سعادتنا. بل إنّه أعظم جدًا من عائلتنا، أو مجال عملنا، أو حتى أحلامنا وطموحاتنا الجامحة. إنّ القيام بشيء يُشبع روحنا، هو الوقت الوحيد الذي يُمكننا أن نشعر فيه أنّنا نعيش غاية حياتنا.
وجودي في هذه الحياة ليس صدفة ولا غلطة. إنّما دليل على أن هذا العالم يحتاج لي. فعند كل واحدة منّا مَهَّمة لتُتمّمها. عندما لا نُدرك ولا نقبل هذه الحقيقة نظل نُكافِح من أجل فِعل ما يفعله الآخرون دون أن ننجح لأن كلّ واحدة منّا مُميَّزة عن غيرها ولا يُمكن لشخص أن يملأ مكان شخص آخر.
وجود غاية ومعنى في حياتنا لا يعني أنّ علينا أن نُغيّر العالم أو أن نترك حجم تأثير كبير في المجتمع، مع أن ذلك ليس بخطأ أو غير ممكن، إنّما يكفي أن نُساهم في إضافة قيمة لشيء أو شخص مُهمّ لنا لنشعُر بشِبَع حقيقيّ في نفوسنا، ونترك إرثًا ذا قيمة ومعنى في حياة الآخرين، ونجعل العالم مكانًا أفضل بسببنا من خلال وجودنا ومساهمتنا وعطائنا.
معظم الناس في هذا العالم ضائعون، لا تكوني مثلهم.
معظم الناس في هذا العالم يحاولون كسب عيشهم وينسون أن يعيشوا. لا تكوني مثلهم.
معظم الناس في هذا العالم يمشون وراء الجميع ولا يبحثون عن طريقهم خوفًا من الفشل والانتقاد. لا تكوني مثلهم.
بعض العوائق في تحديد الغاية:
- خبرات محدودة: أننا لم نُعرّض أنفسنا لتجارب وخبرات متنوّعة وجديدة. فقد نكون محصورين في عالم صغير لم ينكشف أمامنا ما يُثير اهتمامنا ويُشبع شغفنا.
- بيئة محصورة: أننا لم نتعرّف على بيئة غير بيئتنا. فقد قَضينا معظم حياتنا في نفس المكان، مع نفس الأشخاص، نفعل نفس الأشياء. فأفكارنا وأحلامنا لم تتشكّل خارج هذا النطاق. وعلى الأغلب فهي تشبه أفكار وأحلام مَن حولنا. إذا أصلاً لم يكونوا هم من زرعوها فينا. وليس هناك ضرر من ذلك إلا إذا أدَّى ذلك إلى تضييق الأُفق أمام رؤيانا.
- المال: أن نجعل المال هدفنا. قد يكون المال وسيلة تساعدنا ولكن ليس هو الغاية التي ستُشبع أعماق نفوسنا.
- الخوف من التغيير: أن نخاف من أن نبدأ من جديد. التّغيير صعب ومُكلِف. ولكن إذا أدركنا “لماذا” الخاصّة بنا سيكون أمامنا الخَيار، هل أستمر وأنا غير راضية وأندم بعد سنين؟ أم أتحمَّل كُلفة التّغيير وأعيش راضية كل السنين؟
- المقارنة مع الغير: لا يوجد مقياس وطريقة واحدة للنّجاح. كل ما سنجنيه من المقارنة هو القلق، والإحباط، وقتل الإمكانيّات.
- الوقت: نحن نعيش في عالم السرعة. ونظن أننا إذا توقّفنا لنبحث في أعماقنا عن غايتنا وسَعينا ورائها خطوة بخطوة فإننا سنتأخر. ولكن عن ماذا سنتأخّر؟
- رأي الناس: جملة من أربع كلمات تؤرقنا وتثبط عزيمتنا. “ماذا سيقول الناس عني؟” هذه الأربعة كلمات هي السبب أن معظم الأفكار لا ترى النور.
شَغفنا هو الشَّرارة التي تُشعِل فينا الحماس والتَّفاني في علاقاتنا وعملنا ومَساعِينا.
وبدون هذه الشّرارة قد نَخمد ولا يبقى فينا طاقة لنتواصل ونُثابِر مع كل ما قد يعترضنا، فنفقد نورنا وتأثيرنا تاركين أنفسنا للامبالاة أو ما أَطلقَت عليه مي زيادة “السآمة”.
تحتاج شرارة شَغفنا إلى تغذية حتى لا تنطفئ. فلا نتوقّع أن تبقى مُشتعلة طول الوقت. فكم من علاقة حبٍّ فَقدت بريقها، وكم من هواية اختفى هاجسها أو “مهنة الأحلام” التي تحولّت إلى روتين قاتل. وإذا استسلمنا لهذه السآمة ومَضينا قُدمًا في اللامبالاة سينقضي فَصل جديد أو فصول من حكايتنا دون معنى، ونعود لنحكي فيها عن شعورنا بعدم الرضى والاكتفاء في داخلنا وليس عن سعينا نحوها.
العزم
العزم هو الشغف والمثابرة لتحقيق أهداف على المدى الطويل، وهو امتلاك القدرة على التحمّل، وهو التشبُّث بمستقبلنا ليل نهار، ليس فقط لمدّة أسبوع أو شهر بل لسنوات، وكذلك العمل بكَدٍّ لجعل ذلك المستقبل حقيقة.
“أكثر طرق الإستسلام سهولة وشيوعاً هي أن تؤمن أنك لا تملك أي قوة”. أليس ووكر
لا نحصل على العَزم من الموهبة ولا حتّى من العادات، ولكن من تَبنّي عقليّة النّمو. نؤمن بقُدرتنا على التعلّم باستمرار ونُكرِّس جهودنا لذلك دون توقّف وبكلّ الطرق.
لنكون عازمات لا نحتاج أن نكون أكثر شجاعة أو أكثر موهبة أو أكثر ذكاء. إنما نحتاج إلى الثّبات والتّماسك.
- نكون عازمات في صحّتنا، عندما لا نغيب عن التمرين، ونتناول ما يحتاجه جسمنا.
- نكون عازمات كموظّفات عندما نُسلِّم مَهامنا بشكل ثابت. نعمل ضمن مواعيد وبرامج وليس فقط عندما نشعر أننا في مزاج لذلك أو هناك ما يُحفّزنا.
- نكون عازمات عندما تكون أهدافنا واضحة ونعمل عليها كل يوم. لا نتقاعس عند أيّ مشكلة أو مواجهة مُحبِطة. ولا نكتفي بالنتائج الوقتيّة بل نعمل بثبات وتماسك ومثابرة وشغف نحو رؤيتنا وغايتنا.
النجاح
نقول في أمثالنا الشعبية: “كلمة يا ريت عُمرها ما عمَّرت بيت”. ننتظر حَدثًا معينًا أو تحقيق شيء ما لنشعر بالراحة أو بالرضى أو بالسعادة. وعندما يحدث هذا الأمر أو نحصل على ما نريد، تختفي مع الوقت مشاعر السعادة وحالة الرضى والارتياح. فماذا حدث؟ أليس هذا هو النجاح، أن نُحقّق ما نصبو إليه ونحصل على ما نريد؟
كثيرًا ما تُصبح الأهداف والنتائج التي تبدو ذات قيمة كبيرة بالنسبة لنا في البداية أقلّ قيمة عندما تتحقّق. فأبسط الأمثلة على ذلك، عندما نَشْغل عقلنا برغبة شديدة في شراء شيء ما كثوب أو قطعة أثاث معينة. يظلّ تفكيرنا مُركِّزا عليها، وإذا كانت قطعة غالية الثمن ولا نستطيع أن ندفع ثمنها فورًا، قد نذهب للمحل أكثر من مرة نتأمّل فيها ونتفحصّها. ولا يتوقّف الأمر هنا، فتجدها تصبح من أهم أحاديثنا. “آه لو تشوفي هالقطعة ما أحلاها، ألوانها، وموديلها إشي بيطير العقل. وقياسها لابسني لبس”. وتظل هذه القطعة هاجسنا حتى نشتريها، نفرح بها أيامًا، نشعر أننا امتلكنا الدنيا ولا نريد غيرها. نتباهى بها أمام الآخرين لفترة. لكن تمرّ الأيام، لتَقبع هذه القطعة الثمينة قرب مثيلاتها. ننظر إليها ونتذكّر مشاعر طيّبة من نحوها ولكن ليس كالسابق، لم تَعُد تَشْغل تفكيرنا الآن، فقد حصلنا عليها، والآن نريد شيئًا آخر.
غالبًا ما تفقد الأشياء قيمتها عندما نمتلكها. وهكذا هي الكثير من ما نُسمّيه نجاحاتنا. لا تعود تعني لنا وتُشعرنا بالرضى بنفس الدرجة عندما كنا نسعى وراءها أو في اللحظات الأولى من الحصول عليها.
إذا متى يكون النجاح نجاحًا حقيقيًّا ويترك في أعماقنا الرضى والشبع الذي نريده؟
يضع جون ماكسويل الكاتب والخبير في القيادة تعريفًا للنجاح:
“النجاح هو أن تَعرف مَقصِدَك في الحياة، وأن ترتقي إلى أقصى إمكانيّاتك، وأن تزرع بذورًا تُفيد الآخرين”.
فالنجاح إذا ليس قائمة أهداف نشطب هدفًا تلو الآخر، إنما هو رحلة حياة. فالنجاح يُحرز بالسنتيمترات لا بالكيلومترات.
إذا كان الجميع يريد أن يكون ناجحاً، فلماذا لا يحظى بالنجاح الحقيقي إلا قلة من الناس في عالمنا؟
“طبيعة موقِفك تحدّد ارتفاع موقعك” جون ماكسويل
عبارة تحمل أهمّ عنصر سيحدّد لنا ماذا بعد. صِرنا أكثر وَعيًا بأنفسنا، وأوسع فَهمًا لأهميّة وجود غاية نسعى وراءها بشغف وعَزم. وأدركنا أنّنا نحتفل ونَنْعَم بنجاحنا كل يوم ولا داعٍ لأن ننتظر حَدثًا أو إنجازًا مُحدَّدا لنعتبر أنفسنا ناجحات. فماذا بعد؟
ذكاءنا، مواهبنا، ثقافتنا، عِلمنا، أخلاقنا، قدراتنا، فُرصنا، كل هذه لن تُحدِّد إذا كنّا سنعيش حُلمنا أو نستمتع برحلة نجاحنا. فقط مَوقفنا الإيجابي هو الذي يُحدِّد مدى ارتفاعنا وتقدّمنا في رحلتنا.
المَوقف هو عبارة عن “عادات التفكير”. عادات تفكيري تُسيطر على أفعالي وبالتالي النتائج التي أحققها.
إنّ موقفنا من كلّ ما اكتشفناه في أنفسنا وعن أنفسنا وحياتنا هو خَيار في يدنا. قد نختار أن نفرح أو نحزن نتيجة لما اكتشفناه وكَشفناه ثم نمضي في حياتنا كما لو أن شيئًا لم يحدث. أو نختار أن نتحمّل مسؤوليّة ذلك ونُقرّر ماذا نريد. أين هي وجهتنا؟ ما هي غايتنا؟ كيف سننمو بإمكانيّاتنا؟ كيف أكشف عن ما أجهله في نفسي؟ ما هو الإرث الذي سأعمل على تحقيقه؟ كيف سأستمتع في رحلة نجاحي؟
كورسات مجاناً؟ سجلّي الآن!!


