مُتأثّرة أم مؤثّرة

باب: تأثيري في الرحلة

الكاتبة: أزهار بقاعين

التاريخ: يونيو 22, 2026

إنه العالم الصغير… إنه الأداة العظيمة

الذي جعلني أتبدّل… وغيّر كل أفكاري القديمة

كنت أعتقد أني جميلة… لكنّه يقول لي:”ما أبشعك”

وكنت أفكّر أني رشيقة…لكنّه قال لي بوضوح: “ما أسمنك”

للأسف كنت أعيش بأمان… لكنه يقنعني أن الدمار ملآن

لقد زادت معاييره… لقد تغيّرت كلياً

فالجمال شيءٌ صعب المنال… ويحتاج إلى وقت وجهد كثير ومال

والحياة أصبحت أجمل بدون مقرّ… مع العشق والشهرة والغنى والسفر

لأنه يريد أن يقنعني… أن الجميع حولي يملكونها

ولم يرد أن يقول لي… إنهم يعانون ويتألّمون، وآلامهم يكبتونها

والحياة لم تعد فقط… وباء وحرب وتعاسة

لكنّها رحلة… قد أجد فيها بعض الحماسة

لقد خدعني بقوّة… وكنت أنا المقصودة

عن ثقافة العالم الافتراضي أتكلّم

هل تشعرين أنك مقصودة ومتأثّرة من هذا العالم؟ تأثيره السلبي يزيد على فكرك ومنظورك للحياة؟ أصبح خطيئة ويجب إيقافها؟ أم هو إدمان وتعانين من نتائجه الآن؟ هل هو أداة تدمّرك، أم أداةٌ يمكن أن تستخدميها للتأثير؟ وهل الحلّ عدم التعامل معها والهروب منها؟

يكمن الحلّ في الانتقال من مرحلة كونك متأثرة إلى مرحلة كونك مؤثّرة؟ لكن كيف؟ وكيف أكون شهادة للآخرين؟ 

في البداية.. هل يمكن أن ننكر أهمية وسائل التواصل الاجتماعي (السوشال ميديا)؟

بالتأكيد لا، لقد أصبحت السوشال ميديا جزءاً لا يتجزأ من حياتنا. فهي أسرع طريقة وصول لمعرفة الأخبار من حولنا، بالإضافة إلى المساهمة في زيادة التواصل الاجتماعي بين الناس، مما ساعد على إعادة العلاقات القديمة. وقد أصبحت منصةً للإعلانات عن أية سلع ومنتجات وعقارات وأحداث وفرص عمل بطريقة سهلة وسريعة ومجانية، وأحيانًا هي مرجع لبعض الخبرات الشخصية في كثير من المجالات التي يمكن أن تفيدنا شخصياً. ولا ننسى أهميتها في نشر الآراء والتوعية حول أي موضوع، إذن هي أداة ساعدت في التعبير عن الرأي، ومعرفة الرأي الآخر.  

تُشير بعض الإحصائيات أنّ نسبة 60% من أصحاب العمل يلجأون إلى مواقع التواصل الاجتماعي للبحث عن الموظفين، كما أنّ ما 19% منهم يختارون شخصاً ما لشغر وظيفة مُعيّنة تبعاً للمعلومات التي تتوافر عن هذا الشخص عبر حسابات منصّات التواصل الاجتماعي الخاصة به، ذلك وفقاً لاستبانة أجراها موقع (Career Builder) عن التوظيف في وسائل التواصل الاجتماعي. 

لكن رغم كل هذه الفوائد، يبقى هناك جانب كأية أداة في العالم لها سلبياتها وتحدّياتها وحتى مخاطرها أيضاً. أحد مخاطر السوشال ميديا هو التأثير على الفكر، ولا ننكر كمسيحيين أن الحرب الروحية تبدأ عندما تهاجم الفكر أولًا، الذي بدوره قادرٌ على تدمير أشخاص ومبادئهم وحتى إيمانهم. لا ننسى أن ثبات الفكر الصحيح هو الذي يُعطي النضوج والنمو للشخص بطريقة متوازنة، لكن كثرة وتشوّه الأفكار التي تأتي من السوشال ميديا والتي نكون معرّضين لها بكثرة خلال اليوم، كفيلة أن تدمّر وتشوّه أفكارنا وبالتالي تتأثّر سلوكياتنا وقيمنا وحتى أيضاً إيماننا.

وهذا ما أكّد عليه الكتاب المقدس في كورنثوس الثانية 10: 5 “هَادِمِينَ ظُنُونًا وَكُلَّ عُلُوٍّ يَرْتَفِعُ ضِدَّ مَعْرِفَةِ ٱللهِ، وَمُسْتَأْسِرِينَ كُلَّ فِكْرٍ إِلَى طَاعَةِ ٱلْمَسِيحِ،” فالموضوع يبدأ من الفكر.

لكن قبل أن تكوني مؤثّرة… كيف تعرفين أنك متأثّرة؟

إن صفحاتنا الخاصة على السوشال ميديا تمثّل، ولو جزءاً بسيطاً من شخصياتنا وأفكارنا واهتماماتنا، حتى لو كنّا نخفي بعض الأمور ونُظهر بعضها، ببساطة يمكنك بسهولة أن تعرفي أنت وحتى الآخرين من حولك أنك متأثّرة ولست مؤثّرة عندما:

  1. تنساقين بسهولة لأية تطبيق متداول أو ترند أو منشورات لا تؤمنين بها أو حتى غير مقتنعة بها وتنشرينها على صفحاتك الخاصة.
  2. تتسرّعين في نشر أية أخبار سياسية أو طبية أو علمية دون الرجوع للمصدر والتأكّد من صحّتها.
  3. تقضين ساعات طويلة فقط في التصفّح ومتابعة أخبار الآخرين وصورهم دون الاستفادة من هذا الوقت لمعرفة أمور مجدية.
  4. تتأثرين بصفحات الآخرين وصورهم التي تعبّر عن أفضل ما عندهم بعيداً عن السلبيات والضعفات وتنخدعين بها بسهولة.
  5. لا تتصفّحين السوشال ميديا بتجرّد، وتقارنين ظروفك بظروف الآخرين الذي بدوره ينعكس على مزاجك وسلامك ورغباتك.
  6. تنبهرين دائماً بكل ما ترين حتى بالأخبار والصور والفيديوهات المزيّفة التي تجذبك فقط لزيادة المتابعة والمشاهدات.
  7. يكون هدفك هو زيادة عدد المتابعين وإبهار الآخرين بمنشوراتك وصفحاتك وتعليقاتك، حتى لو باستخدام المجاملة الزائدة.
  8. لا يميّز الآخرون من حولك اختلافك وتميّزك عن باقي الصفحات، ولا يستطيعون معرفة قيمك وإيمانك من خلالها. 
  9. يصبح التركيز في أوقات السفر واللقاءات والإنجازات هو فقط لإعلانها ونشرها وإبهار الآخرين بها دون حتى التمتع بها.

لم يذكر الكتاب المقدس هذه الأمور كقائمة ممنوعات وخطايا، لكنه أعطانا قاعدة ذهبية مهمة نستطيع أن نُطبّقها على كل أمور حياتنا حتى السوشال ميديا عندما قال:”كُلُّ ٱلْأَشْيَاءِ تَحِلُّ لِي، لَكِنْ لَيْسَ كُلُّ ٱلْأَشْيَاءِ تُوَافِقُ. كُلُّ ٱلْأَشْيَاءِ تَحِلُّ لِي، وَلَكِنْ لَيْسَ كُلُّ ٱلْأَشْيَاءِ تَبْنِي.” كورنثوس الأولى 10: 23 

الخروج من دائرة التأثر إلى دائرة التأثير:

نحن كأبناء الله هدف حياتنا أن نكون مشابهين صورة ابنه كما يعلّمنا الكتاب المقدس في رومية 8: 29 “لِأَنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَ فَعَرَفَهُمْ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ لِيَكُونُوا مُشَابِهِينَ صُورَةَ ٱبْنِهِ،…”. إذن لسنا مدعوّين لكي نتأثر بالمحيط والبيئة التي نعيشها، ونتصرّف مثل الباقيين، لكن أن نؤثر ونكون سبب بركة للآخرين، ونبني ونمتد في ملكوت الله في كل الأماكن والأدوات المتوفرة التي يعطينا إياها الله حتى لو كانت من خلال الميديا التي يمكن لإبليس أن يستخدمها أيضاً للدمار ونشر الخطيئة.

فهل نستطيع أن نجعل السوشال ميديا منصّة لكي نؤثّر ونغيّر في الآخرين من خلالها، وتكون سبب امتداد كلمة الله مع إدراكنا أن حاجة العالم الماسة والوحيدة هي معرفة الله واختبار محبته؟ الجواب بالتأكيد نعم وهذا هو دور كل واحد منا.

انتبهي…إذا لم تدركي هذه الدعوة بعد، فربما هناك خلل في إيمانك وثباتك وعلاقتك الروحية، لذلك صلّي واطلبي من الرب أن تختبري هذه الدعوة والتأثير الذي له دُعيتي كما يقول الكتاب في بطرس الثانية 1: 10- 11 “لِذَلِكَ بِٱلْأَكْثَرِ ٱجْتَهِدُوا أَيُّهَا ٱلْإِخْوَةُ أَنْ تَجْعَلُوا دَعْوَتَكُمْ وَٱخْتِيَارَكُمْ ثَابِتَيْنِ. لِأَنَّكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ، لَنْ تَزِلُّوا أَبَدًا  لِأَنَّهُ هَكَذَا يُقَدَّمُ لَكُمْ بِسِعَةٍ دُخُولٌ إِلَى مَلَكُوتِ رَبِّنَا وَمُخَلِّصِنَا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ ٱلْأَبَدِيِّ.

مراحل التأثير من خلال السوشال ميديا:
  • مرحلة الوعي (مرحلة الرفض والقبول).

يجب أن تكوني واعية ومدركة لما يدور حولك خصوصاً في مجال السوشال ميديا، لذلك:

  1. لا تقبلي أية فكرة أو منشور أو ترند متداول، مجرد أنها متداولة والجميع يعملها، حاولي دائمًا أن تضعي مقياساً ثابتاً لما يناسب إيمانك ومبادئك الروحية. 
  2. اختاري الصفحات والشخصيات على السوشال ميديا التي تتصفحينها، واختاري ما يناسبك ويساهم في نموّك وتعليمك وإثرائك.
  3. تحقّقي دائمًا عن أي معلومة مقدّمة لك على السوشال ميديا، وارجعي للمصادر لكي لا تنخدعي بصحّتها أو هدف نشرها.
  4. سيطري على الخصوصية لصفحاتك الإلكترونية، واختاري بعناية ما تريدين أن تظهري به والذي يعكس فرحاً وفائدة وفكرة للآخرين وبصدق.
  5. سيطري على وقت تصفّحك للسوشال ميديا خصوصاً وأنتِ في مراحل حزن أو عوز أو ضغط، لأنه سينعكس سلباً أكثر على مشاعرك خصوصاً عندما ترين عكس ذلك في حياة الآخرين.
  6. لا تكتفي بالتواصل الإلكتروني والعلاقات من خلال السوشال ميديا، فهي علاقات خلف الشاشة فقط محدودة لا تسدّد حاجتك الاجتماعية، ولا العاطفية.
  7. لا تستخدمي أسلوب الذمّ والسبّ على شخصيات سياسية أو عامة بحكم الغضب على الوضع الاقتصادي أو الحرب أو القتل.
  8. لا تستخدمي أسلوب زيف الحقائق والصور والأحداث لكي تظهري بأحسن صورة وسمعة، والتي بدورها لا تعكس الواقع أصلاً.

تذكّري أن الله أعطاك نعمة الروح القدس التي تساعدك وترشدك لمعرفة وفهم الأمور من حولك، ولتميّزي ما هو ملائم ومناسب لك كابنة لله دُعي عليك اسم الله. هذه كانت صلاة الرسول بولس لأهل فيلبي عندما قال:”وَهَذَا أُصَلِّيهِ: أَنْ تَزْدَادَ مَحَبَّتُكُمْ أَيْضًا أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ فِي ٱلْمَعْرِفَةِ وَفِي كُلِّ فَهْمٍ، حَتَّى تُمَيِّزُوا ٱلْأُمُورَ ٱلْمُتَخَالِفَةَ، لِكَيْ تَكُونُوا مُخْلِصِينَ وَبِلَا عَثْرَةٍ إِلَى يَوْمِ ٱلْمَسِيحِ” فيلبي 9:1-10

  • مرحلة التأثير (مرحلة التميّز والتغيير)

عندما تكونين مؤثّرة يجب أن تختلفي وتتميّزي. لن نستطيع أن نؤثّر ونحن نسير مع التيار ونصنع كل ما يصنعه الآخرون. أن الأمر ليس مجرّد خطية وعقاب. هو امتياز أن نكون مختلفين ومميّزين وعندما نسأل عن هذا التميّز بالتأكيد سيعود المجد لله وسنعلن عن محبته ونعمته لكل من حولنا،

وهذا يحدث عندما:

1- تصنعين محتوى مؤثرًا وقيّمًا وتقدّميه ليكون بركة لكل من حولك من قيم روحية أو اجتماعية تستطيعين أن تغيري بها مفاهيم مغلوطة.

2- تشاركين قصصاً وأحداث مفرحة أو محزنة تعلن عن صلاح الله ورحمته وحمايته. 

3- تحاربين كل محتوى يشوه أفكاراً عن الله والإنسان وكينونته وحتى أي صفحة أو صديق يستخدم أسلوب التنمّر، بطرق مهذبة ومميزة.

4- تفهمين مشاعر واحتياجات بعض الأصحاب من خلال منشوراتهم وحزنهم وأمنياتهم وتسعين لتكوني سبب بركة لتعزية أو تفهّم أو تواصل لكن بحكمة.

لا تغفلين عن خُطى الرب يسوع القائد وهو على الأرض. حيث كان يحاول بكل الطرق المتاحة له لكي يكون مؤثراً وفعالاً في خدمة الملكوت وخدمة الآخرين.  لم يرفض أية مستجدات أو أمور يتداولها المجتمع ذلك الوقت. لكنه استخدمها لكي يصل للخطاة والمتدينين، للفقراء والأغنياء للكبار والصغار. ولم يجعل شيئاً منها تؤثر عليه، لأنه عرف إرادة الأب له أن يكون مؤثراً وليس متأثراً. 

بالنهاية.. التأثير يأتي من العبادة الحقيقية

العبادة الحقيقية هي أن تعرفي الله بالحق، وتقدّمينه في حياتك من خلال سلوكك وكلامك وردة أفعالك. ولكن أيضاً من خلال صفحاتك ومنشوراتك الإلكترونية التي يمكن أن تكون بركة للآخرين ورسالة تقدّمين بها قيمًا تغيّر وتبني وتُفيد الآخرين.

يقول الكتاب المقدس: “ فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا ٱلْإِخْوَةُ بِرَأْفَةِ ٱللهِ أَنْ تُقَدِّمُوا أَجْسَادَكُمْ ذَبِيحَةً حَيَّةً مُقَدَّسَةً مَرْضِيَّةً عِنْدَ ٱللهِ، عِبَادَتَكُمُ ٱلْعَقْلِيَّةَ.  وَلَا تُشَاكِلُوا هَذَا ٱلدَّهْرَ، بَلْ تَغَيَّرُوا عَنْ شَكْلِكُمْ بِتَجْدِيدِ أَذْهَانِكُمْ، لِتَخْتَبِرُوا مَا هِيَ إِرَادَةُ ٱللهِ: ٱلصَّالِحَةُ ٱلْمَرْضِيَّةُ ٱلْكَامِلَةُ. رومية 1:12-2

إنه أمر إلهي واضح، “لا تشاكلوا هذا الدهر” وهذا لن يحدث إلا إذا كنتِ في علاقة حية مع الله بعبادة عقلية مدركة فيها تمامًا مَن أنت، وما هي هويتك الحقيقية. وهدف وجودك ومهمّتك في هذه الحياة، وبالتالي سينعكس أيضاً على حياتك من خلال جميع المجالات.


انضمي إلينا اليوم وكوني جزءًا من مجتمعنا المتنوع! سجّلي الآن مجاناً وأنشئي ملفك الشخصي للاستمتاع بفوائد عديدة وتجارب فريدة داخل موقعنا.

#بلشي من هون #مؤثرة #متأثرة #يسوع المسيح