سرّ المعرفة الذي يغيّر الحياة
باب: اين أنا غداً
الكاتبة: أزهار بقاعين
التاريخ: يناير 20, 2026
ربما تخطر على بالك أسئلة مثل:
لماذا يملك البعض الثقافة والكثير من المعرفة، ولكن نجد حياتهم مدمّرة؟
لماذا يتباهى البعض بكثرة الشهادات، ولكنهم يفتقدون مهارات حياتية كمهارة التواصل مع الآخرين؟
لماذا نرى علماء يسعون كلّ حياتهم وراء العلم، لكنهم لا يقدرون حتى على اتخاذ أبسط القرارات؟
لماذا نرى البعض يحضرون مؤتمرات ودورات تدريبية وندوات، ويبقون على نفس مستوى أدائهم المعتاد؟
هل الخلل في المعرفة والشهادات والعلم، أما الخلل في المُتلقين أنفسهم؟
الخلل ببساطة في تطبيق هذه المعرفة في الواقع.
يقول الفيلسوف الفرنسي الراحل ميشيل فوكو أن “المعرفة هي القوة”، لكنّنا هنا نحاول أن نُكمّل هذه المقولة الناقصة، ونقول “أن تطبيق المعرفة هي الحاجة الأقوى”، وهنا تكمن الحكمة.
نحن لا نستخف بامتلاك المعرفة والعلم والشهادات، لكننا نريد أن نشجّعك على بُعد جديد وهو معرفة الهدف من امتلاكها، وهو أن تعود تلك المعرفة بالنفع على حياتك وتكون أداةً وليست هدفًا. فهل أنت مستعدّة لهذا البُعد الجديد؟
أولاً: اكتشاف مصادر المعرفة في حياتنا
رغم اختلاف مستويات المعرفة عند الجميع، لكن تأتي معظم المعرفة لدينا من مصادر العلم التي تعلّمناه وتلّقيناه من الصغر، ومن اكتساب المعلومات من حولنا من شتى المصادر البصرية والسمعية، ومن خبراتنا وتجاربنا الشخصية في مجالات الحياة، والاطلاع على خبرات وتجارب الآخرين، ومن مستويات البحث والاكتشاف بطرقنا المتنوعة.
ومما لا شك فيه أن المعرفة الآن أصبحت متاحة، فالكتب والمجلات والجرائد متوافرة وتحوي جميع الأفكار والخبرات والمهارات، بالإضافة للإنترنت الذي جعل العالم قرية صغيرة نستطيع أن نغوص بها، ونستخرج كل أنواع المعرفة والعلم، والاطلاع على الثقافات من كل مكان. واليوم اقتناء الهاتف النقال الذي يتواجد في اليد معظم الوقت أصبح أسهل وسيلة فورية للوصول لأية معلومة نحتاجها. امتلاكك للمعلومة هو أصلاً متاح، لكن أصبح التحدّي هنا التطبيق؛ لأنه مسؤوليتك أنت.
ولكن، ما الفرق بين امتلاك المعرفة وتطبيقها؟
الامتلاك هو تخزين المعرفة. أما التطبيق هو استعمال هذا المخزون. هو أداة. أما التطبيق هو استخدام هذه الأداة.
الامتلاك هو عرض للمعرفة. أما التطبيق هو تجربتها. هو يؤدّي إلى تخمة المعرفة أي تراكمها بلا فائدة. أما التطبيق يُعطي خبرات وعطاء.
الامتلاك مُتاح للجميع. أما التطبيق يُظهِر المُتميّزين. يبقى محدودًا. أما التطبيق فيعطي مدى أوسع لزيادة المعرفة.
الامتلاك سهل، ويعتمد على التلقي. أما التطبيق فيحتاج جهداً ومسؤولية.
الامتلاك يجعلك عالِمه بالشيء، أما التطبيق فيجعلك حكيمة.
بعد معرفتك للفرق الشاسع بين امتلاك المعرفة وتطبيقها، بالتأكيد تستطيعين الآن تحديد إن كنتِ ممن يفضّلون امتلاك المعرفة والاطلاع عليها وزيادة الثقافة الشخصية والحصول على الشهادات، أو مِمَن يستخدمون هذه المعرفة بشتّى مصادرها ليطبّقوها ويستفيدون منها، وبالتالي تعود بالنفع على حياتهم وحياة من حولهم أيضًا.
لكن يبقى السؤال هنا: “كيف أطبّق المعرفة المُكتِسبة في حياتي ولا أقف عند امتلاكها؟
قبل التطبيق.هل سألت نفسك “لماذا تقتنين المعرفة”؟
بغض النظر عن أي دافع لديك سواء زيادة ثقافتك، أو حبًا للمعرفة، أو تطوير مهاراتك، أو لأنها أصبحت عادة عندك،
تذكّري أن الهدف من اقتناء المعرفة.
لا لكي تبهري الآخرين… بل لكي تقودي. لا لكي تتمرّدي على مجتمعك… بل لكي تؤثري. لا لكي تزيدي مهاراتك. بل لكي تطوّري. لا لكي تفتخري بكمّ المعلومات التي تحتويها… بل لكي تعلّمي. لا لكي تحقّقي مناصب عليا. بل لكي تغيّري. لا لكي يزيد دخلك. بل لكي تنتجي.
إذن دافع المعرفة وتطبيقها هو العطاء والتأثير والتغيير في نفسك ومجتمعك وفي الآخرين، وهذا هو سر المعرفة الذي يغيّر الحياة، غير ذلك فأنت تقفين عند هواية الاطلاع والقراءة. فهل أنت مستعدّة لتعرفي أكثر عن كشف هذا السر؟ السرّ يكمن في تطبيق ركائز المعرفة الأربعة في حياتك.
تطبيق ركائز المعرفة الأربعة:
إن اكتسابك للمعرفة والعلم هي رحلة تستمر مدى الحياة، والموت هو الذي يوقفها، لكن في محطات الحياة المختلفة تحتاجين أن تقفي وتفكّري وتتخّذي قرارًا بتطبيق هذه المعرفة لكي تغيّري أحيانًا مسار حياتك للتغيير والتأثير، لكن عليك أن تقفي عند بعض الركائز التي تعتمد عليها حياتك والتي تشمل:
المرحلة العمرية
ما هي حاجتك الرئيسية في المرحلة العمرية التي تجتازين بها؟ هل أنت في فترة سن الأمل وانقطاع الدورة الشهرية؟ هل أنت في بداية العشرين ومقبلة على العمل والحياة؟ هل أنت على أبواب التقاعد؟ هل مقبلة على فترة الزواج؟ ما هي تحدّيات عمر الشيخوخة؟ ما أسباب بعض التغيّرات الفسيولوجية والنفسية لعمرك الحالي؟
سجّلي الفترة العمرية التي أنت فيها، واكتبي جميع التغييرات الجسدية والنفسية وكيفية التعامل معها، وما هي تحدّيات كل مرحلة وكيفية تخطّيها، لكي لا تؤثر سلباً عليك، وعلى الآخرين من حولك، ولتكوني واعية أكثر على مواجهة أي تحدٍّ جديد لكل مرحلة عمرية.
الحاجة الحالية
ما هي حاجتك الحالية في حياتك الآن؟ هل تعانين من ضعف معين وتحتاجين العمل على تغييره؟ هل تفتقرين للإدارة المالية وتحتاجين مهارة لتوفير المال مثلاً؟ هل أنت في مركز إداري في عملك، وتريدين العمل أكثر على شخصيتك لتقودي طاقم العمل بكفاءة؟ هل أنتِ أم ولا تعرفين التعامل مع أحد أطفالك؟ أنت معرّضة للطلاق وتريدين إنقاذ علاقتك مع زوجك؟ هل تعانين من مرضٍ معين ولم تعرفي عنه مسبقاً؟ هل لديك إدمان معّين وتريدين التخلّص منه؟
اكتبي الحاجة الآن، وابدأي بتطبيق جميع المعرفة بكلّ مصادرها لكي تتمكني من تغيير وتطوير حاجة واحدة على الأقل لديك، استعيني بمعرفة وخبرات البعض الإيجابية، وابدأي بأخذ ما يناسب حياتك.
الشغف والرغبة
ما هو شغفك في الحياة؟ ما هو الشيء الذي يشغل كل تفكيرك كل الوقت؟ ما هو المنصب الذي تحلمين أن تحصلي عليه في مجال عملك؟ هل تحلمين باكتساب موهبة معينة لتحقيق هذا الشغف؟ هل لديك حلم معين، لكن لا تعرفين تحقيقه؟ هل لديك رغبات معينة في تغيير واقع أو مجتمع من حولك؟
اكتبي شغفاً ومهارة واحدة تُشغلك، وتريدين أن تستخدميها لخدمة الآخرين أو تحقيق حلمك، وابدأي في تطويرها والاطلاع على خبرات الآخرين الذين يملكون هذا الشغف أيضًا، واجعلي هذا الشغف أو الحلم حافزًا لتطبيق كل معرفة تملكينها لتحقيقه.
الوعي والإدراك
هل أنتِ مدركة ما هو منظورك الذي تستخدمينه لرؤية كل ما حولك؟ على ماذا تستند قيمك في الحياة؟ هل لديك تساؤلات وجودية عن الحياة والموت والله؟ هل تفتقرين لمعرفة أسباب الاختلاف في الثقافات والأديان؟ هل تحتاجين طريقة لتمييز الأمور والقرارات المصيرية؟ هل لديك وعي كامل باختلافات الشخصيات وأنماط التفكير المختلفة جميعها؟
لا تقبلي المُسلمات أو الفكر الواحد فقط، حاولي أن تبحثي عن معرفة أكثر لما يدور حولك، وابدئي بفهمها واستخدامها لتطوّري منظورك، ولتدركي التعامل مع نفسك ومعتقداتك والحياة، ولتدركي الاختلافات بينك وبين الآخرين من حولك لتتمكّني من التعامل معها لتخفيف النزاعات والصراعات.
لا تنسي… استخدمي دائماً “كيف” بعد “ماذا”.
إن مفتاح تطبيق المعرفة المكتسبة بكل مصادرها بعد كل قراءة كتاب أو مقالة أو حتى حضور فيديو معين أو سماعك خبرات وقصص من الآخرين هي أن لا تقفي عند مرحلة “ماذا” التي تقدّم لك المعلومة، لكن تعدّيها واجعلي ذهنك يحوّلها لمرحلة “كيف”، أي كيف لك أن تستخدمي هذه المعرفة وتطبّقيها على نفسك وظروفك واحتياجاتك بعد مرحلة”ماذا”.
نصيحة أخيرة. تطبيق ركائز المعرفة الأربعة لا تعني:
- أن توقفي الآن اطلاعك وامتلاكك لمعرفة جديدة، وأن تبدأي بتطبيق المعرفة السابقة لديك، فالامتلاك عملية مستمرة.
- أن لا تكوني مُلمّة بكل المعرفة في كل المجالات حتى لو لم تكن من الركائز الأربعة.
- إن كل معرفة تخصّ الركائز الأربعة هي موثوق بها وقابلة للتجربة على حياتك، عليك أن تتأكدي من مصدرها أولاً.
- إن كل تطبيق سيظهر تغييرًا فعالًا وسريعًا، لأنها يمكن أن تكون رحلة نمو شاقة وطويلة وبحاجة إلى الدعم من الآخرين.
- أنك لن تشعري بالذنب أو عدم القدرة عند معرفتك بمعلومة تهمك لا يمكنك تطبيقها. تحتاجين أن تأخذي ما يناسب شخصيتك وحاجتها بالوقت المناسب لك.
- إن كل معلومة بحاجة لتغييرك، يمكن أن تكوني قد تأثرت بمعرفة مسبقاً، وغيّرت فيك للأفضل وأنت لم تدركيها.
- إن كل معرفة يمكن أن تناسب خلفيتك التربوية والدينية والثقافية، حاولي أن تختاري المناسب لتكون المعرفة بالنهاية سبب تغيير وتأثير للأفضل وليس للدمار والنزاع.
- إن كل تطبيق لأي معرفة على حياتك لن يجعلك تخسرين بعض العلاقات، أولا يسبب تغييرًا جذرياً مؤلمًا، لكن بالنهاية يمكن أن يكون لخيرك، فالمعرفة يجب أن تقودك لمعرفة الخير والشر.
اختبار شخصي يساعدك على قياس مدى تطبيقك للمعرفة:
إذا كنت قد أخذت قراراً بتطبيق المعرفة التي لديك على حياتك، وعلى حاجتك وعلى فكرك، وعلى شغفك وتردين أن تتأكدي من فعاليتها، فلديك هذه الاختبار البسيط الذي قد يساعدك شخصيا:
هل يلمس الآخرون فيك التغيير للأفضل بشخصيتك ويشهدون عنه؟ هل تغيّرت مهارات عملك وأدائك في الإنجاز وإدارتك للمال والوقت وأصبحت أكثر إنتاجية؟ هل أصبحت تفهمين نفسك والآخر ولديك مرونة وهدوء أكثر بالتعامل مع الآخرين؟ هل أصبحت أكثر كفاءة في حل المشكلات وأكثر مهارة في تخطي النزاعات؟ وهل قاومتِ ضعف مؤخرًا كان يسيطر عليك أو تخليتِ عن عادة سيئة في حياتك؟أم أنت مقتنعة تماما بمبادئك وقيمك، وتستخدمينها للتأثير الإيجابي على الآخرين؟ هل تغيّر منظورك للحياة، وأصبحت مدركة لأهم الأمور وأقلها أهمية ولترتيب أصحّ لأولوياتك؟ هل أصبحت تهتمين بصحّتك أكثر وتخليتِ عن كل عادة تؤذي جسدك؟ وهل لديك مهارة وموهبة جديدة عملتِ على اقتنائها مؤخراً؟ هل أصبحت قدوة في مجال معين ومثالًا للبعض في عملك أو عائلتك أو مجتمعك؟ هل أنت على خطوات من تحقيق شغفك أو حلمك؟
إذا كانت إجابتك نعم، على معظم الأسئلة فأنت تسيرين على مسار تطبيق المعرفة في حياتك، وتظهرين تقدماً واضحاً، عليك الاستمرار.
بالنهاية.
استمري بالاطلاع والقراءة وحضور الندوات والمؤتمرات واسعي للحصول على الشهادات، وتفوقي بامتلاك الثقافة، وزيدي شغفك بالاكتشاف وحتى بالاختراع، وتابعي كل الأخبار والفيديوهات واستمعي لخبرات وتجارب الآخرين، لكن لا تنسي أن لا تقف معرفتك وعلمك وشهاداتك عند “ماذا”، لكن اسعي أن تتخطّيها لـ”كيف” لتكون سبب تغيير وتأثير نافع لك وللآخرين ولمجتمعك، استخدمي المعرفة فقط كمفتاح لتفتحي أبواب الحكمة على حياتك التي تأتي فقط عند تطبيقها، وهذا هو سر المعرفة الذي يغير الحياة.
فهنيئاً لك بهذا التغيير. امضي قدمًا فيه.
انضمي إلينا اليوم وكوني جزءًا من مجتمعنا المتنوع! سجّلي الآن وأنشئي ملفك الشخصي للاستمتاع بفوائد عديدة وتجارب فريدة داخل موقعنا.


