التأثير الصحيح يبدأ من نفسي

باب: من أنا اليوم

الكاتبة: رانيا عماري

التاريخ: فبراير 2, 2026

لو الظروف أفضل، لو وضعي المالي أحسن، لو أني أعمل في وظيفة أخرى، لو أن زوجي متعلم، لو أن أولادي يسمعون الكلمة، لو أني في بلد أخرى، لو أن لدي….عندها سأكون في أفضل حال، عندها سأكون شخص مؤثر. لكن الواقع للأسف بعيد كل البعد عن هذه التمنيات!

مرّت أيامٌ كثيرة من حياتي قبل أن أدركُ أنَّ العالم الوردي الذي رسمتُهُ في مخيلتي ما هو إلّا حلم جميل. فقد كنت دائمةَ الاعتقادِ والتأمُل بأن الظروفَ ستتغير. ربما من خلال الهجرة أو العمل بمعاشٍ خيالي أو ربما بزواجٍ قصصي سأحيا تلك الحياة المثالية التي أحلم بها، لكن أدركتُ أن “كلمة يا ليت عمرها ما بتعمر بيت”. توقعتُ الكثير من الآخرين ووثقتُ بهم، لكن للأسف أقلاء من كان محل ثقة كما هو الحال كان في ظروفي. فألقيتُ بلومي على الكثيرين وعلى ظروفي، وحالَ ذلك دونَ أي تقدم أو تغيير في حياتي لفترة من الزمن.

ما هي الاحتمالية الأكبر لتوقع نتائج التغيير الذي أرغب، هل عندما أبدأ بنفسي أم عندما أتوقعه من مؤثر خارجي من البشر أو الظروف المحيطة؟ قادني تأمُلي في هذا السؤال وخبرة الحياة إلى الإجابة واتخاذ القرار ذو النتائج الأضمن ” التأثير الصحيح يبدأ بنفسي”

إليكِ سيدتي بعضُ النقاط التي ستساعدُك في بدءِ التغيير وحصد نتائجه.
أولًا: التغيير يبدأ من الداخل أي من الفكر، لذلك دعينا نتفق على بعض الأمور:
  1. اعلمي القيمة الحقيقية التي خُلقتِ أنتِ بها، فأنتِ شخص مميز ومنفرد وهذه نعمة من الله عليكِ.

واحدةٌ من المعتقداتِ التي رفضتُها وبشدة فكرة أن ” كل الناس هيك”، هذه جملة برأيي غير صحيحة. علينا أن نقتنع أنَّ عوامل كثيرة قد ساهمت وشكّلت في شخصيتي وظروفي. قد نتشابه في واقع ٍ معين الّا أننا نختلفُ ونتميزُعن بعضنا البعض في كثير من الأمور. فليس كلُ ما مررتُ به قد مررتِ أنتِ به وهذا أمرٌ حقيقي، فإن تشابهت قصصنا أعتقد أنه يستحيل أن يكون هذا التشابه صورة طبق الأصل.

تختلفُ الناس في طريقة تفكيرها وفي طريقة رؤيتها للأمور، في نشأتها وطريقة التربية، في البيئة التي تعيش فيها والناس التي تحيا معهم. يمكن أن تكوني من عائلةٍ تهتمُ ببعضها البعض أو تهتمُ بالإنجازات والعمل، قد يكون بلدك آمن أو في حالة حرب، عملك مريح ممتع أو محبط. فهذا الواقع الكل يتشابه به وهو أننا نختلف في مجموعة الظروف التي عشنا ونحيا بها والتي قد تكون فُرِضت علينا في مرحلة معينة من حياتنا وأثرت فينا.

أما دوركِ الآن هو أن تعرفي كيف تديرين هذه الظروف لمصلحتك. قد يكون ظروف البعض منا مناسبة وداعمة، لكن هناك من عرف الاستفادة منها وهناك من لم يحسن ذلك بل على العكس كانت مثل هذه الظروف سبب في فشلهم وانحدارهم. وهناك من اختبر ظروف صعبة شكّلت لهم تحديًا قاد البعض للانهزام والآخر للتغيير نحو الأفضل. ما أريد أن أُشير إليه هو أنه مهما كانت ظروفك اجعلي منها فرصة للتقدم أو التّعلم، لتغيير الاتجاه أو البدء من جديد، لكن الأمر الأكيد ليس عذرًا للبقاء على ما أنتِ عليه.

قد نتنوع في قدراتنا العقلية والذهنية والجسدية، في مهاراتنا وشخصياتنا واهتماماتنا، في القيّم والمعتقدات والمبادئ التي نتمسك بها. هذا التنوع يعني أني شخص مميز ومختلف وسط أشخاص أيضًا مميزون.

فدعينا لا نسعى لنكون صورة طبق الأصل عن بعض ولا تقارني نفسك أو أولادك مع الآخرين فهذه عادة هدّامة للنفس البشرية، لكن المقارنة الوحيدة الصحيّة هي تلك التي تكون مع نفسي، أي مقارنة وضعي الحالي مع ما أحلم و أطمح لتحقيقه أنا في حياتي.
  1. تختلفُ الناس أيضًا في نواياها الخفية. فتفحّصي كلامهم وتصرفاتهم معكِ، وفي جميعها تبني الأفكار التي تبنيكِ وليست تلك الهدامة.
  2. ليس التغيير أمرًا سهلًا أو مريحًا. وهناك بعض التغييرات نتائجها وآثارها ملحوظة ومباشرة بينما أخرى تحتاج لبعض الوقت لرؤية أثرها. لذلك كوني حذرة في توقعاتكِ ولا تبالغي في توقع زمن النتائج أو مقدارها. لكن تأكدي أن أفضل النتائج تلك التي تصنعينها بنفسك.
  • لا تبدأي بخطوات سريعة، لكن ابدأي بتغيير واحد مناسب، وهذا سيقودك الى تغيير آخر فآخر على التوالي. مثلًا، أرغبُ في تغيير مواعيد نوم أطفالي لأن هذا التغيير البسيط يقود الى حل سلسلة المشكلات المختلفة التي تؤثر علينا جميعًا على مختلف الأصعدة.
  • الاستمرار والمثابرة هي الكلمة المفتاحية في صُنع ِالتغيير ورؤية نتائِجه. فنتائج الالتزام في لعب الرياضة عشرة دقائق يوميًا مؤكدة وأفضل مقارنة ببرنامج ساعة يوميًا لكن دون التزام.
  • يؤمنُ الناس بما يرونه وليس بالكلام عن النوايا والرغبة بالتغيير. فابدأي بنفسك واحصدي نتائج تعبك، و بالاستمرار يتمكن الآخرون من رؤية نتائج التغيير فتكونين سبب في إحداث التغيير في حياتهم أيضًا.
  • مسار التغيير متذبذب فيه محطات نجاح ومحطات فشل، محطات كسب وأخرى خسارة، لكن المهم استمري بالتحرّك واستمتعي بكل محطات رحلتك، احتفلي عندما تحصدين ثمار تعبكِ وتعلّمي من تجربتكِ إن لم تنجح، واعلمي أن الفشل لا يعني السقوط لكنه يعني التوقف عن المحاولة.

إن أول ما قمتُ به في رحلة التغيير هو نزع تلك النظارات التي اعتدتُ أن أرى من خلالِها نفسي وظروفي وحكمي على الناس واستبدالها بأخرى قادرة على رؤية الواقع كما هو بأدق التفاصيل، وقادرة على خلق رؤى وأحلام ذكية قابلة للتحقيق، وصنع ذلك الأمل المُقاد بالإيمان في نفسي وفي الله لتحقيق تلك الأحلام.

اجلسي مع نفسك وتأملي ما هي المعتقدات والأفكار التي تحول دون التغيير والتأثير الذي ترغبين به وما البديل لهذه الأفكار ثم أعيدي برمجة أفكارك. قد يكون الأمر سهلًا لدى البعض، لكن لدى الكثيرين “وأنا واحدة منهن” لم تكن هذه الخطوة بالسّهلة ربما لأني لم أعتد أن أقضي وقت بالتأمل الشخصي، أو ربما لإني كنت أتوقع نتائج فورية. مهما كان السبب المهم أن تستمري في رحلة التغيير هذه.

ثانًيا :قراءة الواقع الحالي، قومي بقراءة نفسكِ و البيئة المحيطة بكِ وتفحصها جيدًا.

أستطيع أن أدرك واقع الحال الذي أنا فيه وقراءته من خلال طرح الأسئلة والتأمل بها ومحاولة إيجاد الإجابة عليها.

المقصود بقراءة البيئة أن أسأل نفسي أسئلة مثل: في أي مجتمع أنا موجودة؟ هل أنا مبسوطة بوجودي هنا؟ هل أرغب في البقاء أم تغييره بآخر، لماذا؟ وهل من المناسب التغيير أوهل أنا قادرة عليه؟ هل أريد أن أكبر فيه، وهل يمكنني أن أكبر فيه؟ وهل انا راض بوجودي هنا؟ أم هل هذه البيئة داعمة لي أم معيقة لتقدمي؟ ما نوع المجتمع الموجود فيه؟ هل يقبلني كما أنا؟ أم يصنفني في معايير متنوعة؟ هل تناسبني هذه المعايير أم مضطرة لأن اتماشى معها؟ هل يقيّمني هذا المجتمع بناءًا على نشاطي الاجتماعي، تعاوني أم بناءًا على إمكانياتي المادية؟ بناءًا على عائلتي وعشيرتي أم تحصيلي العلمي؟  

أما ما أقصده بقرائتي لنفسي أن أسأل أسئلة مثل :ما هي المهارات التي امتلكها؟ هل أمتلك مهارات تقنية؟ وهل أستطيع الخياطة، الطبخ، الرسم ، الغناء؟ استطيع التعليم ، الكتابة؟ لدي مهارات في استخدام الحاسوب وتطبيقاته؟ مهارات في الحوار والتواصل؟ أو مهارات قيادية ؟ مهارات لغوية؟ ماذا أملك؟ هل أرغب باستقرار عاطفي؟ ما هي المعتقدات التي أؤمن بها وما هي القيم التي اعتنقها، وهل تتفق مع تلك الموجودة في المجتمع الذي أحيا به؟ هل أنا راضٍ عنها أم أحتاج لأن أغيرها؟

ثالثًا : تحليل الوضع والربط بين قرائتي لنفسي والمجتمع الموجود فيه

حين أعرف وأقّيم نفسي والمجتمع من حولي، عندها أستطيع أن أميّزمن أين أبدأ.عندما أربط بين ما أملكُ وما يناسبني وبين الفرص والتحديات الموجودة في المجتمع، وعندما أحدد ما ليس لدي لكنه حاجة أو أربط بين أفكاري واهتماماتي ومهاراتي و قيمي معتقداتي وبين تلك الموجودة في المجتمع عندها أعرف ما التغير المناسب الذي سأقوم به وأحدد الخطوات القادمة التي ستقود للنتيجة المرغوبة.

ابدأي في تحديد المجال الذي تهتمين لتغيّره، ففي دائرة حياتك مناطق عديدة يجب أن تهتمي بها؟ أي منها مصدر قوتكِ؟ أي منها تحتاجين الى التقدم والتطور بها في الوقت الحالي؟ ما هو المجال الذي تريدين التركيز عليه وكنت قد أهملتيه من قبل، هل هي متعلقة بأموركِ الشخصية مثلُ هواياتكِ وتعلمكِ وأحلامكِ وصحتكِ، أم عائلية مع أولادكِ وزوجكِ وأهل بيتكِ؟ هل هي روحية أم علاقاتيه مع الأصدقاء؟ هل هي مهنية أم مادية؟ في جميع ما ذكر، عليكِ أن تسعي دائمًا نحو الاتزان. من قرائتكِ لنفسك قومي بتحديد نقاط القوة فيكِ؟ والنقاط التي تحتاجين لتحسينها؟ وأما قرائتكِ للمجتمع حددي الفرص والتحديات التي تواجهكِ وفكّري كيف تصيّرين هذه التحديات لفرص، أما الفرص الموجودة فتعلمي كيف تستفيدين منها.

فمثلا أنتِ شخص لديه مهارة في التواصل والحوار ومجتمعكِ يقدّر النشاطات الاجتماعية، ألن تكون هذه فرصة لك لتمارسي ما تحبين وبنفس الوقت يخدم مجتمعك. أما إن كنتِ شخص لا يجيد التعبير عن مشاعره بينما هناك حاجة ملّحة عند أولادكِ لأن تخاطبي مشاعرهم، عندها ستواجهين تحديًا في مهارتكِ فاسعي للتطوير. 

أتمنى لك رحلة تغيير وتأثير موفقة.


انضمي إلينا اليوم وكوني جزءًا من مجتمعنا المتنوع! سجّلي الآن وأنشئي ملفك الشخصي للاستمتاع بفوائد عديدة وتجارب فريدة داخل موقعنا.

#المرأة العربية اليوم #النفس #تأثير