ما هي هويتك؟

باب: من أنا اليوم

الكاتبة: كارولين فاخوري

التاريخ: نوفمبر 1, 2023

ما هي هويتك؟ هل سبق أن طلب منك أحدهم بطاقتك الشخصية المعروفة باسم “الهوية”؟ أو هل ذهبتِ يومًا إلى مقابلة عمل وكان أول سؤال تطرحه عليكِ لجنة التوظيف هو “عرّفي عن نفسك”. أو هل سبق أن التقيتِ بأناس جدد وكانت أولى أسئلتهم: “أخبريني مَن أنتِ؟”. عادة ما نبدأ بالتعريف عن أنفسنا بسرد بعض البيانات الشخصية مثل الاسم والعمر والانتماءات أو الميول المفضَّلَة. فهل هذه هي هويتي؟ وكيف أعرف هويتي؟ 

تُعرِّف أحد المعاجم الهوية بأنها “مجموع البيانات التي تجعلك فريدة بين آخرين” فيما تعرِّفها أخرى بأنها “معرفة الشخص بنفسه”. أما علم النفس فيعرِّف الهوية بأنها “مجموعة الخبرات والذكريات والعلاقات والقيم التي تشكِّل الإنسان”. فالهوية الحقيقية لا تشمل فقط المعلومات العامة عنكِ، وإنما تشمل الخبرات العميقة التي شكَّلت طريقة تفكيرك. أحبّ أن أفكِّر بالهوية على أنها مجموعة القناعات الداخلية الخاصة بي التي توجِّه سلوكياتي الخارجية المرئية للآخرين. فماذا أعني بذلك؟

نظرة أخرى للهوية:

فكّري بالهوية وكأنها جبل جليدي “آيسبرغ”، إذ تنقسم كتلة الجبل الجليدي إلى جزأين: أصغرهما مرئي فوق سطح الماء وهو سلوكياتك الخارجية التي يراها الآخرون. فيما يختفي الجزء الأكبر منه تحت سطح الماء وهي منظومة القيم والخبرات والذكريات والمشاعر الخاصة بكِ والتي لا يعرفها أحد. فالناس يرون القليل من هويتك فيقرّرون بناء على ما يرونه إذا كنتم تتوافقون معًا وإمكانية الاستمرار في علاقة ما معكِ (قد تكون العلاقة شخصية أو اجتماعية أو تجارية). لكن يستحيل عليهم أن يروا الخبرات والتجارب والقناعات والقيم التي تقبع وراء ما يرونه. كما تعكس هويتك انتماءاتك وسلوكياتك وآراءك وقيمك ومعتقداتك الدينية والسياسية واختياراتك وطريقة تعبيرك عن مشاعرك المختلفة. 

نوعان من الهوية الخاصة بكِ:

وهكذا نعلم أنَّ البشر يُشبَّهون بالعملة النقدية التي تحمل وجهين مختلفين تمامًا مع المحافظة على القيمة الكامنة فيها. فكل إنسان له شكلان من الهوية وكل منهما يشكِّل بصمة فريدة تميِّزك ولا يشابهك فيها إنسان آخر: 

(1) هويتك الشخصية/الفردية: مثل صفاتك الجسدية وطريقة تفكيرك، وقناعاتك، ومنظومة معتقداتك وقيمك. 

(2) هويتك الاجتماعية: وهي دائرة انتماءاتك المبنية على أساس تفرد هويتك الشخصية، وهي تتشكَّل بحسب الأدوار التي تؤدينها في حياتك مثل كونك ابنة في عائلة، وزوجة في عائلة أخرى. وأمًّا لأبناء من أعمار مختلفة، وموظفة في بيئة عمل، وعضوة في دوائر صداقات مختلفة، بالإضافة إلى الدوائر الدينية أو الثقافية أو الوطنية أو السياسية أو الاجتماعية أو الخدمية أو التنافسية التي تساهمين فيها بطريقة أو بأخرى.

كيف أعرِّف عن نفسي إذًا؟

قد يختلف الشكل الخارجي لهويتك بناء على الدور الذي تؤدينه في المجتمع، فتعبير هويتك كابنة قد يختلف تمام الاختلاف عندما تُصبحين أمًّا (مع بقاء هوية الابنة حاضرة في محضر الوالدين). كما تختلف هويتك كموظفة عن هويتك كمتنافسة أو شريكة حياة أو عضوة في لجنة ما. لماذا؟ لأنَّ جزءًا من هويتك يشمل تحقيق التوقعات المُرتَقَبة منكِ، وهذه تختلف بناء على الدور الذي تؤدّينه في حياتك.

هل بتِّ تشعرين بالضياع؟ هل زاد ما سبق من صعوبة فهم هويتك أو بسَّطه لكِ؟ لا بأس إن لم تتمكني من الإجابة عن هذين السؤالين. فليس من المفترض أن تكون مسألة الهوية أمرًا هيِّنًا يمكن تبسيطه في كلمات قليلة؛ لأنَّ الهوية هي أمر شخصي متغيِّر يعبِّر عن كيانك. أي أنَّ هويتك ليست بالأمر الثابت المحدَّد الذي يشكِّلك مدى حياتك، بل هي متغيِّرة بناء على خبراتك وأدوارك واختياراتك في الحياة. فأن تحاولي التعبير عن هويتك بعبارة يشبه أن تضعي مياه المحيط في زجاجة مياه، لكن هذا لا يعني أن نحرم أنفسنا من التفكير بالأمر ومحاولة تبسيطه قدر الإمكان.

مراحل تطوُّر الهوية

مراحل تطور الهوية: تنقسم حياتك إلى مراحل تبدأ من الطفولة إلى المراهقة ومن ثم البلوغ الذي يقود إلى النضوج، كذلك تنقسم مراحل تشكيل هويتك بحسب هذه المراحل:

  1. تتشكل هويتك الأولية منذ الولادة وتتغذى على الحب الذي تتلقينه من عائلتك المباشرة ومقدِّم الرعاية الأساسية لكِ (غالبًا الأم). إذ مع الولادة تُقدَّم أولى تفاصيل هويتك وهي جنسك وشكلك الخارجي كالطول والوزن ولون البشرة. ومن ثمَّ مع توفر المحبة والرعاية التي تقدمها لكِ عائلتك المباشرة تتشكَّل بعض الطرق البدائية للتعبير عن نفسك مثل حدة البكاء، نغمة الضحك، درجة التعلق بالآخر. ومن ثم تبدئين باكتشاف بعض ميولك الشخصية مثل درجة الهدوء، الرغبة بالتلامس، واستكشاف ما حولك…إلخ.
  2. مع نموك في السنوات وازدياد تجاربك وخبراتك في الحياة يعمل المجتمع المحيط بك على صقل هويتك الأولية فيعزِّز بعض المزايا والصفات ويزعزع بعضها الآخر. ففي المدرسة يساعد أداؤك الأكاديمي أو الرياضي أو الفني على الانتماء إلى فئة معينة من التلاميذ. الأمر الذي يشكِّل نقطة الارتكاز في اختيار صداقاتك المبكِّرة التي تعمل بدورها على صقل طريقة تفكيرك وتحدّيها وتوجيه اختياراتك الاستهلاكية والعلاقاتية. ومن ثم تتطوَّر هذه الدائرة لتشمل المجتمع المحليَّ والمجتمع التنافسي خلال مرحلة العشرينيات والثلاثينيات من العمر. ولا ننسى دور العلاقات الحميمة في تشكيل مشاعرك وطريقة التعبير عنها وسلوكياتك مع العائلة الممتدَّة والعائلة المُختارَة لشريك الحياة.
  3. على مدى المرحلتين الزمنيتين السابقتين تمُرّين بخبرات كثيرة من شتى الأنواع، وتتطور مشاعرك وتثرى منظومة ذكرياتك وتتنوع علاقاتك. فتتعلَّمين طرق التعبير المختلفة لتختاري منها ما هو ذو قيمة لكِ ليعبِّر عن هويتك وذاتك وشخصيتك سواء كان من كلمات ومصطلحات ومشاعر وسلوكيات ومبادئ وقيم. لتبدأ المرحلة الأخيرة التي تستمرُّ في التغيُّر مدى حياتك الباقية.
  4. وهي مرحلة النضوج وفيها تتحدّين نفسك من خلال التعلُّم والخبرات المتنامية لتغربلي قيمك ومبادئك ولغتك وسلوكياتك وانتماءاتك. وهنا ينبغي التنويه لضرورة تجربة أمور متنوِّعة لاكتشاف الميول الخاصة بكِ ورغباتك، وصقل اختياراتك، وتحدّي مبادئك وقيمك، واختيار ما يناسبك منها الأمر الذي يعبِّر عن تفرُّدك وتميُّزك. 

الخلاصة:

أشجِّعكِ أن تُعيدي تعريف هويتك مع اختلاف الأدوار والمراحل الحياتية المتنوِّعة من خلال البحث الاستكشافي عن نفسك، وهذا يتمُّ من خلال طرح الأسئلة الوجودية عن نفسك “مع نفسك” إذا أمكن التعبير. فأفضل شخص يجيبك عن أسئلتك هو أنتِ.

أتمنى أن يكون هذا المقال قد ساعدك على فهم بعض جوانب الهوية الشخصية وأجاب عن بعض التساؤلات التي تراودك. أشجِّعك على قراءة المقالات الأخرى الواردة في هذا الموقع، فكل منها يغطّي جانبًا مختلفًا من الجوانب التي ستُثري جعبتك المعرفيَّة، وتساعدك على تطوير مهاراتك وتنمية خبراتك الشخصية.

#تشكيل #تطوير #شخصية #مشاعر #من أنا #هوية