مؤثّر في بيتي أولاً

باب: تأثيري في الرحلة

الكاتب: جمال أيوب

التاريخ: يوليو 6, 2026

“مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح الذي باركنا بكل بركة روحية في السماويات في المسيح…” (أفسس 1: 3) هو المقطع الذي أريد أن أبدأ به موضوع العائلة، وكيف يمكن لها أن تؤثر في حياة أفرادها ليكونوا بركة لمجتمعاتهم الصغيرة أولاً والكبيرة بعدئذ. ومثالنا في ذلك الله الآب أبو ربنا يسوع المسيح الذي كما تنصّ الآية قد باركنا بكل بركة روحية في السماويات في المسيح. 

 في المقطع أعلاه الله هو أب، أبو ربنا يسوع المسيح. ونحن نعلم أن الله في كينونته مثلّث الأقانيم: الآب والابن والروح القدس. وأن الاكتفاء الموجود في الله بالحب والتواصل والعمل معاً يمثّل الصورة الصحيحة للعائلة التي يريدها الله لنا كبشر، والذي بدأها يوم خلق آدم وحواء في جنة عدن. لقد جبل الله آدم من التراب، ونفخ فيه فصار نفساً حية. ومن أحد أضلاعه صنع حواء لتكون له معيناً نظيره. “فَخَلَقَ ٱللهُ ٱلْإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ ٱللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ.”

هذا قصد الله للعائلة من الأصل على الأرض أن تمثله أولًا، بالبنية والوظيفة، وأن يكون هو الرب الإله للخليقة كلها.

وربما هذا ما جعل التنوّع (ذكر وأنثى) أمراً أساسياً في الخليقة. ومعاً (وبتفويض سماوي) يتسلّطون على الأرض، بمعنى إدارتها وتعظيم مواردها لتستوعب العدد المتزايد من سكانها. البداية في ذلك تأتي بأن يثمروا ويكثروا ويملؤوا هذه الأرض. يبقى أمر إدارة الأرض هو ما ينبغي علينا كعائلات وأفراد أن نقوم بعمله بالرغم من سقوطنا في الخطية، وكل ما حصل فيما بعد. الحقيقة أن السقوط والفساد الذي تسرّب للجنس البشري بأكمله هو ما ينبغي أن يقودنا كأفراد وأزواج استناروا بنور الله، وتم افتداؤهم من الخطية بموت المسيح لنكون أكثر وحدة ومحبّة في مواجهة هذا العالم الشرير، وكلّ الفساد المنتشِر فيه. 

كأفراد أولاً وأزواج (رجل وامرأة) ثانياً، يمكننا أن نكون نوراً للمسيح وملحاً في الأرض في خدمة الآخرين؟ وربما تكمن الإجابة في بعض من الحقائق والوصايا التي قدّمها الرسول بولس إلى المؤمنين من كنيسة أفسس. 

التركيب الجديد: جسد

لقد كتب الرسول بولس هذه الرسالة للمؤمنين من خلفيات متنوعة، اليهود والأمم. الطبيعي وجود عداوة بين هاتين الفئتين. لكن بولس يخبرهم بأن الله صالَح الاثنين في جسد ابنه يسوع المسيح بالصليب. وقتل العداوة. لتعرف أكثر اقرأ المقطع أدناه من أفسس 2: 16-19.

“وَيُصَالِحَ الاثْنَيْنِ فِي جَسَدٍ وَاحِدٍ مَعَ اللهِ بِالصَّلِيبِ، قَاتِلًا الْعَدَاوَةَ بِهِ. فَجَاءَ وَبَشَّرَكُمْ بِسَلاَمٍ، أَنْتُمُ الْبَعِيدِينَ وَالْقَرِيبِينَ. لأَنَّ بِهِ لَنَا كِلَيْنَا قُدُومًا فِي رُوحٍ وَاحِدٍ إِلَى الآبِ. فَلَسْتُمْ إِذًا بَعْدُ غُرَبَاءَ وَنُزُلًا، بَلْ رَعِيَّةٌ مَعَ الْقِدِّيسِينَ وَأَهْلِ بَيْتِ اللهِ.”

لاحظي كيف كانوا، البعيدون والقريبون، أممًا ويهودًا. لم يعودوا غرباء، بل صاروا من رعية الله القديسين وأهل بيت الله. 

والأهم من ذلك ما يقوله بعدئذ في العدد 20-22 “مَبْنِيِّينَ عَلَى أَسَاسِ الرُّسُلِ وَالأَنْبِيَاءِ، وَيَسُوعُ الْمَسِيحُ نَفْسُهُ حَجَرُ الزَّاوِيَةِ، الَّذِي فِيهِ كُلُّ الْبِنَاءِ مُرَكَّبًا مَعًا، يَنْمُو هَيْكَلًا مُقَدَّسًا فِي الرَّبِّ. الَّذِي فِيهِ أَنْتُمْ أَيْضًا مَبْنِيُّونَ مَعًا، مَسْكَنًا للهِ فِي الرُّوحِ.”

لقد بتنا بعد السقوط في حالة انفصال وابتعاد عن مصدر الحياة، الله. في آدم أبونا الأول صرنا أمواتًا. لكن لمّا جاء المسيح ومات عوضاَ عنّا، صار بالإمكان لنا أن نولَد من جديد ونصبح ضمن جسد جديد وعائلة جديدة. بعد الإيمان لم تعد هويتنا هي الأساس، بل صار المسيح نفسه هو الأساس وما نقله الأنبياء والرسل من تعاليم وحقائق هو ما يشكّلنا وما نستند عليه في حياتنا الجديدة. وعلى هذا الأساس، صار البناء الجديد المركّب معاً ينمو معاً، ليشكّل هيكلاً مقدساً في الرب. مسكناً لله في الروح. 

هذه كانت نواة كنيسة الله التي افتداها الرب يسوع المسيح بدمه. صرنا بسبب المسيح ولمجد المسيح عائلة جديدة – الكنيسة، جسد المسيح على الأرض. ولهذا الجسد يكتب الرسول بولس رسالته هذه ليعرّف أعضاءه (العائلة الكبيرة) ماهية كيانهم الجديد وغايته. كما يكتب للعائلة الصغيرة (كل بيت مسيحي) وصايا وإرشادات ليكونوا أكثر تأثيراً في هذا العالم متمثّلين بيسوع القائد. 

ربما هذا أهم أمر علينا معرفته وإدراكه كي نتغير؛ ومن ثم نؤثر في من حولنا. لقد بات كل مؤمن عضواً في جسد المسيح على الأرض – كنيسته الحية. وسوف نتمكّن من إحداث الفرق والتأثير فقط لأننا صرنا خليقة جديدة في جسد رائع وعظيم ومهيب رأسه المسيح.

الرأس الجديد: المسيح

الوحدة في الجسد مهمة جداً حتى يتمكّن الجسد من تأدية مهامه. وهذه الوحدة تأتي عندما يكون رأسنا المسيح هو مَن يقودنا وهو مَن نسعى لإرضائه. والأهم من ذلك عندما يكون سعينا هو مجده لا مجد أي منّا. ولهذه الغاية تنّوع جسد المسيح بأفراد ميزّهم الله بعضهم عن بعض، فكان منهم الرسل والأنبياء والمعلّمون وغيرهم. هذا التنوّع في الوظائف غايته تكميل القديسين لعمل الخدمة. لبنيان جسد المسيح. ثم يكمل بولس فيقول في الأعداد التالية بأنه لا يريد للمؤمنين أن يكونوا أطفالاً مضطربين ومحمولين بتعاليم مضلة أو بحيل الناس الماكرة. 

يريدنا الله في عائلته الكبيرة وفي عائلاتنا الصغيرة أن نكون أشخاصاً ناضجين نساهم في نمو وبنيان مجتمع صالح ومتين، مجتمع يكترث بمصلحة الجماعة ككل. أشخاص يصفهم بولس هنا بـ”صادقين في المحبة.” يتغيّر المجتمع عندما يتغّير أفراده بأن يكونوا أولاً ضمن عائلة المسيح ويدركون أهمية وجودهم، والدعوة التي لهم، فقد صاروا أبناء الله ومعرّفين منه بأنهم نور. قبلاً كانوا ظلمة، أما الآن (بعد معرفتهم بالمسيح) فنور في الرب. 

المثال: قوة للحياة الجديدة

عندما نقرأ رسالة أفسس نرى حالنا سابقاً: ذوو أذهان باطلة، ومظلمون في الفكر، ومتجنبون عن حياة الله، جهلة، أصحاب قلوب غليظة. وبعضنا فقدوا الحس وأسلموا نفوسهم للدعارة لعمل كل نجاسة، طمّاعين. 

وعندما نرى لاحقاً كم التغيير الذي يحدث لمن ينتمي لله ويولد من جديد في عائلته. لا بد أن ندرك في الحال أن هذا العمل إلهي بحت، فلا يمكن أن تحدث مثل هذه التغييرات لمجرد أن الشخص تبنّى مجموعة من المبادئ. الحقيقة أنه لا يمكن أن يحدث مثل هذا التغيير والتأثير إلا بسبب وجود يسوع ربّاً في الحياة وعليها، حياة خلقها من جديد فينا. سابقاً كنّا وكلّما احتل يسوع حيز أكبر في عقولنا وقلوبنا اتسعت مناحي التغيير وزادت دوائر التأثير. فيما يلي بعضاً من سمات الحياة الجديدة في المسيح:

الطاعة والخضوع

علينا أن نتمثّل بالله كأولاد أحباء، وأن نسلك في المحبة كما أحبنا المسيح وأسلم نفسه من أجلنا، وقد قدّم لنا مثالاً حتى نتبع خطواته في المحبة. هذا المثال هو ما يمنحنا القوة للخضوع والطاعة لرأسنا المسيح وكذلك لبعضنا البعض.

بات الخضوع سمة هامة في حياة المؤمن، وهذا ما يطلبه الرسول من الزوجات حتى يخضعن لأزواجهن، تماماً كما تخضع الكنيسة للمسيح. والأولاد ليطيعوا والديهم في الرب، وحتى العبيد فإن من واجبهم طاعة سادتهم من القلب وبنيّة صالحة كما للرب. والأهم يظهر حين يطلب منّا الرسول أن نخضع بعضنا لبعض في خوف الله.

الكلام

لذلك اطرحوا عنكم الكذب وتكلّموا بالصدق كل واحد مع قريبه. اغضبوا ولا تخطئوا، لا تغرب الشمس على غيظكم. لا تخرج كلمة ردّية من أفواهكم، بل كل ما كان صالحاً للبنيان حسب الحاجة. ليرفع من بينكم كل مرارة وسخط وغضب وصياح وتجديف، مع كل خبث. 

حين يولد الشخص من جديد، وحياة الله تتدّفق فيه لا بد أن يظهر في كلامه. وهذه من أهم التغييرات الحتمية التي لا يمكن الجدال فيها. القباحة وكلام السفاهة والهزل تصبح أموراً من الماضي. 

يأمرنا الكتاب، ويقول “مكلمين بعضكم بعضاً بمزامير وتسابيح وأغاني روحية، مترنمين ومرتلين في قلوبكم للرب. شاكرين كلّ حين على كل شيء…” فروح الله هو الذي يملأنا بالفرح فتخرج من أفواهنا كلمات حلوة وذات معنى وتحلو لآذان السامعين، وهذا ما يعنيه بالمزامير والتسابيح والأغاني. هذا نوع جديد ومختلف من الكلام يصدر منّا بسبب ما جرى من تغيير في دواخلنا. 

“نحن” وليس “أنا” ولمجده “هو”

صار المسيح رأسنا، وغايتنا مجده. وفي كل ولادة جديدة لشخص في ملكوت الله، ينال الله المزيد من المجد. وربما هذا أهم سبب يدعونا للخدمة. نريد أن نرى يسوع يتمجّد أكثر. في العدد 28 من الإصحاح الرابع، يقول بولس “لا يسرق السارق في ما بعد، بل بالحري يتعب عاملاً الصالح بيديه ليكون له أن يعطي من له احتياج.” لقد تغيّر اتجاهنا كمؤمنين في المسيح، وتغيّرت كذلك دوافعنا. في قول بولس أعلاه، فإن السارق تغيّر ليصبح خادماً. في السابق كان يسرق خدمة لنفسه أما الآن فهو يعمل بيديه لكي يعطي من له احتياج. يا له من تغيير، عندما يتغيّر المصير يتغيّر المسير. صار السارق من أبناء النور بعد أن كان من أبناء الظلمة. كان مغضوباً عليه ومن أبناء المعصية، لكنه في المسيح صار إنسانًا جديداً وفي مملكة الله، واحداً من أبناء الله. تماماً كذاك اللص الذي كان معلقاً إلى جانب المسيح، وبكلمات بسيطة عبرّت عن ندمه وحزنه سرق السماء في آخر لحظات حياته. 

في المسيح، يصبح الآخرون محل اهتمام وقيمة في حياتنا. فلا يعود الآخر هو المراد استغلاله لمنفعتي الفردية. كما يصبح سلامة ورفاه من أحبّهم من أكثر ما يهمني. وهذا ما يظهر في الوصايا التي تحثّنا على أن نكون لطفاء بعضنا نحو بعض، شفوقين ومتسامحين كما سامحنا الله في المسيح. وأما الزنا وكل نجاسة أو طمع فلا يُسمّ بينكم. 

وماذا بعد؟

لا يمكن للأعمى أن يقود أعمى، بل كلاهما يقعان في الحفرة. فقط الحياة المتغيّرة بسبب يسوع القائد لحياتنا يمكنها إحداث تغيير وتأثير على من حولها ومن يقعون في دائرتها. للأزواج والأبوين أعظم فرصة لإنشاء جيل محب ومعتمد وطالب مجد الله. 

الأمر يبدأ أولاً عندما ندرك كأهل أهمية أن يعرف أبناؤنا الله ويحبونه منذ نعومة أظفارهم. وثانياً، عندما نبدأ بأخذ الخطوات والسؤال عمّا يمكننا عمله لنساهم في هذه المهمة. وثالثاً، عندما ندرك أهمية أن نتمثّل بالمسيح بالطاعة والخضوع لوصاياه في خدمة الآخرين واستخدام المواهب الروحية، فنحن نعطي الأمل والقوة لمن حولنا، ونؤثر فيهم ليكونوا أنقياء القلب وأتقياء المسلك. عندما لا نعود نعيش لإشباع شهواتنا، والذي يظهر في الزنا، وكل نجاسة أو طمع. وهذه الحياة المضادّة والمعاكسة لطبيعتنا الخاطئة التي اعتدناها سابقاً، يظهر أننا بتنا في ملكوت جديد، ملكوت المسيح. 


انضمي إلينا اليوم وكوني جزءًا من مجتمعنا المتنوع! سجّلي الآن مجاناً وأنشئي ملفك الشخصي للاستمتاع بفوائد عديدة وتجارب فريدة داخل موقعنا.

#بلشي من هون #بيتي #تأثير #يسوع المسيح