الاختلاء والصمت
باب: نموي في الرحلة
الكاتب: المرأة العربية اليوم
التاريخ: يوليو 1, 2026
نحن نخاف الوحدة! وكشرقيين، بعد ولادة الطفل الأول في العائلة، نرغب ان يمتليء البيت بالمزيد من الأطفال لئلا يكون هذا الطفل وحيدًا. وخوفنا من الوحدة يجعلنا باستمرار نندفع لنكون وسط الجماعة والضوضاء.
وقد يكون الخوف من الوحدة مبررًا نوعًا ما بسبب طبيعتنا الاجتماعية كبشر، فنحن وُلدنا في وسط عائلة، ونشأنا بين أحضان الأقارب والأصدقاء وزملاء الدراسة والعمل، لذلك عندما يصل المرء إلى المرحلة التي يكون فيها وحيدًا، فإنه يشعر أن الكون قد انهار، وأن هناك خللًا ما.
نتحدث هنا في هذه العُجالة عن الاختلاء(العزلة) والصمت. الاختلاء والعزلة اللتين نتحدث عنهما هنا لا يعنيان الوحدة، إذ هناك فرقٌ كبير بين الوحدة والاختلاء، فالوحدة واقعٌ يختبره المرء ويكون مفروضًا عليه نتيجة ظروف عديدة، هي غيابٌ ونقصٌ في حياة الانسان الاجتماعية، بينما العزلةُ هي اختيارٌ وحالةٌ يقوم بها الفرد لفائدة روحية.
والوحدةُ كما يقول (فوستر، 2009) هي ” فراغٌ داخلي، أما الاختلاءُ (العزلة) فشبعٌ داخلي”.
والوحدة في ذهن الناس غالبًا ما ترتبط بغياب الناس، بينما الاختلاء(العزلة) لا يرتبط بوجود الناس أو عدمه، ولا بمكانٍ يخلو من الضجيج. فقد يشعر الانسان بالوحدة وهو في وسط الجموع، ولا يشعر الانسان بالعزلة، حتى لو كان وحيدًا في الصحراء.
العُزلة التي نتحدث عنها هنا يمكن أن تكون عُزلة خارجية في مكانٍ يخلو من الناس والضجيج، وقد تكون العزلة داخلية، لا تجعل الشخص يخشى من أي يكون وحيدًا، بل هي تحرّر الشخص من الناس وبرامجهم.
العزلة هي انضباط روحي يشكّل جزءًا هامًا من حياة التلمذة المسيحية. ومفهوم العزلة ليس بدعةً حديثة العهد، فصفحات الكتاب المقدس تزخر بالعديد من القصص التي تتحدث عن اشخاص مارسوا العزلة لأهداف روحية عميقة.
وفي مقدمة هؤلاء نجد الرب يسوع يمارس العزلة بشقيها الداخلي والخارجي.
- ابتدأ الرب يسوع خدمته بعزلة خارجية مكانية (انجيل متى 4: 1)
- بعدما اشبع الرب يسوع الجموع، صرف التلاميذ والجموع وصعد إلى الجبل منفردًا ليصلي. (متى 14: 23)
- كان سكان مدينة كفرناحوم قد اجتمعوا على باب بيت سمعان وبطرس واندراوس فشفى يسوع المرضى وأخرج شياطين من كثيرين، لكنه في الصبح باكرًا جدًا، قام وخرج ومضى إلى موضع خلاء وكان يُصلّي (انجيل مرقس 1: 35).
- لما بلغه خبر موت يوحنا المعمدان، انصرف إلى موضعٍ خلاء منفردًا (متى 12: 13).
- بعد رجوع التلاميذ من الارسالية، قال الرب يسوع لهم، تعالوا أنتم منفردين إلى موضع خلاء (انجيل مرقس6: 31).
واذا كنا نرغب أن ننمو وننضج روحيًا، فإننا نحتاج لممارسة الاختلاء والعزلة في حياتنا.
ما فائدة الاختلاء (العزلة) في الحياة الروحية؟
- تُحررنا العزلة من قوالب وانماط الحياة التي انطبعت في حياتنا، بحيث اصبحنا مستعبدين لها، نمارسها دون أي تردد. اصبحنا عبيدًا لوتين حياتنا اليومي بما يتضمنه من طعامٍ، نومٍ، عملٍ، لقاءات، احاديث ومسؤوليات.
- تجعلنا العزلة مهيئين لنسمع صوت الله. وانا هنا اتحدّث بدايةً عن العزلة الخارجية، حيث أن الانسان يعتزل عن الناس والمشغوليات لسماع صوت الله. ما دمنا في وسط الناس وزحمة الاحداث، فلن يكون بمقدورنا ان نسمع صوت الله.
بحكم عملي، احتاج لقرابة الساعتين من الزمن للوصول من مدينتي إلى المدينة التي اعمل بها حاليًا. في بداية العمل، كنت اتأكد من أن المسجل والراديو في السيارة جاهزين للاستعمال لقتل الزمن والوحدة. منذ فترة، ابتدأت اراجع نفسي وأنظر بجدية إلى حياتي الروحية، فكانت خطوتي الأولى أن أغلق الراديو طيلة الرحلة وأصمت في محضر الله وأناجيه.
ذات مساء، بعد حوالي 20 دقيقة من بداية الرحلة، كنت اصلي دون انطق بكلمة. فجأةً، وجدتُ نفسي أطرح سؤالًا دون كلمات على الله، قلتُ له: يا رب، ما رأيك بحياتي الروحية؟ وخلال فترة الصمت الطويلة، عرض الله أمامي صورًا مذهلةً لحياتي. وما أن وصلتُ (لم اعرف كيف انقضى الوقت) حتى أدركت أنني كنت في رحلة روحية مذهلة، فتح خلالها الرب عيون ذهني وقادني إلى أعماق جديدة في العلاقة معه.
في وقت الاختلاء والعزلة يمكننا أن نصلي، يمكننا أن ندخل في حوار مع الله، يمكننا أن نضع أهدافًا لحياتنا الروحية وغيرها من الأمور التي لا يمكن أن نعملها وسط الجموع.
لكن العزلة يمكن أن تكون داخلية نختبر فيها حضور الرب بطريقة خاصّة وسط مشغوليات الحياة.
ويبدو أن هذا ما اختبره الشاعر القس سهيل مدانات حينما قال:
| متكيءٌ رأسي على | صدره باطمئنان |
| تبثُّ عيناه إلى | إرادتي إيمان |
| ووسط صرخات الملا | يهمسُ للإعلان |
| عن قصده السامي فلا | يُريبني إنسان |
| ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ | |
| علاقتي شخصيةٌ | بمن فدى نفسي |
| ورؤيتي واضحةٌ | إليه كالشمسِ |
| لا تتعبنَّ حيرةٌ | أو خشيةٌ رأسي |
| فالعمرُ معه جلسةٌ | دائمُ الاُنســـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ |
ما يميز صوت الرب هو أنه هادئ، خفيض وأقرب للهمس ويحتاج من يريد أن يسمعه أن يُخلي النفس من كل شيء ويقترب إليه.
- العُزلة تحررنا من الجموع وضغوطهم، فتجعلنا قادرين أن نخدمهم بشكل أفضل.
نقرأ في انجيل لوقا 5: 15-16 ما يلي: ” فَذَاعَ الْخَبَرُ عَنْهُ أَكْثَرَ. فَاجْتَمَعَ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ لِكَيْ يَسْمَعُوا وَيُشْفَوْا بِهِ مِنْ أَمْرَاضِهِمْ. وَأَمَّا هُوَ فَكَانَ يَعْتَزِلُ فِي الْبَرَارِي وَيُصَلِّي”. قاوم يسوع اغراء التواجد الدائم مع الجموع وتسديد احتياجاتهم، بانسحابه الى مواضع خلاء. إن لم نتحرر من ضغط الناس، سوف تصبح خدمتهم عبئًا علينا
- تساعدنا العزلة أن نتعامل مع اللسان ونضبطه.
العزلة مرتبطة بالصمت والهدوء، فالعزلة من دون الصمت ليست عزلة.
نحتاج أن نتدرب على الصمت عن طريق ممارسته. وجودنا في وسط الناس لا يساعدنا على الصمت، بل أننا لوصمتنا في وجود الناس، لاستغرب الناس صمتنا في الغالب. ” للسكوت وقت وللتكلم وقت” (سفر الجامعة 3: 7).
- العزلة تساعدنا أن نتواجه مع أنفسنا
عندما نعتزل الناس والمشغوليات، فإننا نتواجه مع انفسنا، وعندها سوف نكتشف القوى الداخلية التي في حياتنا التي تقاومنا وتحاول عرقلة مسيرنا. في محضر الله نكتشف جوانب الضعف في حياتنا.
كيف نمارس الاختلاء والعُزلة؟
أعرف الكثيرين والكثيرات الذين حالما يستيقظون، يسرعون لفتح جهاز التلفزيون أو الراديو فيبدأون نهارهم بالضجيج. ارجو ان تقاومي الرغبة في فعل ذلك اذا كنتِ تتواجدين في البيت، في المقابل اختلي بنفسك، ارفعي قلبك للرب واعلني له رغبتك باختبار حضوره.
- إبدأي بدايات بسيطة وقصيرة. لكي تختبري الاختلاء والعزلة، جدي مكانًا في منزلك حيث يمكنك أن تقضي وقتًا لوحدك مع الله، حتى لو كان لبضع دقائق(فوستر، 2009).
درّبي نفسك على هذا الانضباط وخططي له، فالحياة لن تقدّم لك فرصة للاسترخاء والراحة الروحية، بل ستجلب لك المزيد من العمل والمسؤوليات والضوضاء.
خططي لوقتٍ تقضينه لوحدك. وهذا قد يتطلب تنظيم الوقت والمسؤوليات لتستطيعي أن تتمتعي بقضاء وقتٍ على انفراد. خططي لقضاء هذه اللحظات اثناء تناول فنجان القهوة باكرًا في الصباح قبل الذهاب للعمل، أو أثناء استراحة في العمل، أو أثناء تواجد باقي أفراد العائلة خارج المنزل.
- درّبي نفسك على قلة الكلام. وقاومي الرغبة بالحديث وابداء الرأي في كل شيء، حتى لو كان لديك ما تقولينه. مشكلتنا مع اللسان أنه عضوٌ صغير، ولكنه يفتخر متعظمًا وهو نار عالم الإثم، ويُضرم من جهنم (رسالة يعقوب 3: 5-6). نحتاج ان نتدرب على الصمت، والعزلة تساعدنا على ممارسة الصمت.
- قاومي الانخراط في مقاطعة شخص يروي قصة ما لتضيفي جزءًا من القصة أغفله.
- لا تمسكي هاتفك بيدك في وقت الاختلاء والعزلة. اعطي فرصة للرب ليهمس في أذنك.
- جربي أن تختبري حالة اختلاء وعزلة بوجود الآخرين من حولك. حاولي ولو لبضع دقائق أن ترفعي قلبك للرب. أخبري الرب أنك تحبينه، اخبريه أنك مستعدة لتسمعيه.
مهما كانت بداياتك متواضعة، ففيها قيمة عظيمة كونك تضعين قدميك على الطريق الصحيح، وسوف تكتشفين أنه كلما مارستِ انضباط الاختلاء والعزلة، فإنك سوف تشتاقين لقضاء المزيد من الوقت مع الرب.
لقد أبدع طيب الذكر البابا شنودة وهو يصف اختبار العزلة بشقيها الخارجي والداخلي في قصيدته الرائعة ” قلبي الخفاق”:
قلبي الخفاق أضحى مضجعك في حنايا الصدر أخفى موضعك
قد تركت الكون في ضوضائه واعتزلت الكل كي أحيا معك
ليس لي فكر ولا رأي ولا شهوة أخرى سوى أن أتبعك
وأبي يعقوب أدري سره قد عرفت الآن كيف صارعك
يا أليف القلب ما أحلاك بل أنت عال مرهب ما أروعك
يا قويًا ممسكًا بالسوط في كفيه والحب يدمي مدمعك
ويقول:
لم يسعك الكون ما اضيقه كيف للقلب إذن أن يسعك
قد تركت الكون في ضوضائه واعتزلت الكل كي أحيا معك
قد تركت الكل ربي ما عداك ليس لي في غربة العمر سواك
ومنعت الفكر من تجواله حيثما أنت فأفكاري هناك
قد نسيت الأهل والأصحاب بل قد نسيت النفس أيضًا في هواك
قد نسيت الكل في حبك يا متعة القلب فلا تنسى فتاك
ما بعيد أنت عن روحي التي في سكون الصمت تستوحي نداك
في سماء أنت حقًا إنما كل قلب عاش في الحب سماك
هي ذي العين وقد أغمضتها عن رؤى الأشياء على أن أراك
وكذا الأذن لقد أخليتها من حديث الناس حتى أسمعك
قلبي الخفاق أضحى مضجعك في حنايا الصدر أخفي موضعك
انضمي إلينا اليوم وكوني جزءًا من مجتمعنا المتنوع! سجّلي الآن مجاناً وأنشئي ملفك الشخصي للاستمتاع بفوائد عديدة وتجارب فريدة داخل موقعنا.

![الشجرة الممنوعة والشجرة الممنوحة الشجرة-الممنوحة-والممنوعة[1]](https://arabwomantoday.com/wp-content/uploads/2025/03/الشجرة-الممنوحة-والممنوعة1-300x200.webp)
