هل أمتلك السلام الحقيقي؟
باب: نموي في الرحلة
الكاتبة: أزهار بقاعين
التاريخ: أكتوبر 19, 2026
يقول الجميع أن هذه هي مؤشّرات فقدان السلام الداخلي…
عندما تتألمين، وتبكين بشدّة بسبب فراق قريب،
أو عندما تتساءلين في وسط الألم: “أين أنت يا الله؟” أو” لماذا يا ربّ؟”،
عندما لا يكون عندك في بعض الأحيان شغف شديد للصلاة، عندما لا تستطيعين سماع صوت الله بوضوح، أو عند وجود صراع مع خطيئة هذه الفترة، الجميع يقول هذا… لكن هل الله يقول هذا أيضاً؟
وهل فكّرتِ يومًا ما هو سلام الله الحقيقي؟ وكيف يكون عندي هذا السلام، بالرغم من كل تلك المؤشّرات السابقة؟ وهل وجود هذه المؤشّرات يمنع وجود السلام الداخلي؟
دعينا نمشي في رحلة معرفة واختبار أعظم حاجة على الإطلاق نحتاجها اليوم جميعًا، وهي امتلاك سلام الله “السلام الحقيقي”، ونجيب على هذه الأسئلة.
لماذا يُسمّى “السلام الحقيقي”؟
كلمة الحقيقي هي عكس كلمة المزيّف أو الباطل، والحقيقي هو الشيء الصحيح والثابت، نحن بحاجة ماسّة أن نفهم ونبحث عن الأمور بمفهومها ومصدرها الصحيح لتكون أساساً صحيحاً ثابتاً لما يُبنى فوقها. فالبناء الذي يُبنى على أساس باطل غير ثابت ومزيّف هو أساس يدمّر ويهدم.
وستفهمين أكثر عندما تعرفين معنى السلام واختلافه عن السلام المزيّف، وهذا سيقودك إلى فهم أكثر لمعنى كلمة السلام الحقيقي.
معنى كلمة سلام
كانت كلمة سلام هي التحيّة قديمًا عند اليهود، فحتى الملائكة كانت تستخدمها كتحيّة عندما تظهر للأشخاص وهذا ما حدث في قصة الميلاد مثلاً، أو كانت حتى تُستخدم عند الوداع، والمعنى الآخر لها يدلّ على سلام العلاقات التي تأتي بعد الحروب والقتال بين الدول، أو بعد النزاعات والخصومات بين الأفراد. أما المعنى الثالث فهو الذي يتحدّث عن الحالة القلبية التي تُشعرك بالطمأنينة والراحة التي تأتي نتيجة الظروف الخارجية.
لكن تعريف السلام الحقيقي هو إدراك وفهم وإيمان بالمبادئ الروحية القائمة على فهم فكر الله وعلى علاقتي به، بغضّ النظر عن الظروف المحيطة وعن قراءتي للواقع، وحتى عن عدم توافق العقل والمنطق لهما.
إذن ما هي المبادئ التي تحتاجينها لامتلاك السلام الحقيقي؟
ببساطة هناك مبادىء ثابتة رئيسية تعلّمك إياها كلمة الله، وتختبريها بعلاقتك مع الله وعند قبولك خلاصه وعمله الكفاري، وإدراكك بأنك أصبحتِ ابنة له ولكِ عطيّة الروح القدس، فتساعدك وقتها أن يثبت السلام في قلبك وأهمها:
1– إن الله خالق هذا الكون وخالقك بطريقة عجيبة وفريدة، حياتك لم تأتِ من العدم أو من المجهول، ولا تمشي بعشوائية وعدم ترتيب، وما زال هو المسيطر عليها، ولا زال يحفظها ليومنا هذا، مثلما يقول الكتاب:
“صَانِعُ الأَرْضِ بِقُوَّتِهِ مُؤَسِّسُ الْمَسْكُونَةِ بِحِكْمَتِهِ وَبِفَهْمِهِ بَسَطَ السَّمَاوَاتِ” إرميا 10 :12
“مَنْ فَعَلَ وَصَنَعَ دَاعِياً الأَجْيَالَ مِنَ الْبَدْءِ؟ أَنَا الرَّبُّ الأَوَّلُ وَمَعَ الآخِرِينَ أَنَا هُو..” أشعياء 41: 4
“لَكِنَّنِي لَسْتُ أَخْجَلُ، لأَنَّنِي عَالِمٌ بِمَنْ آمَنْتُ، وَمُوقِنٌ أَنَّهُ قَادِرٌ أَنْ يَحْفَظَ وَدِيعَتِي إِلَى ذَلِكَ الْيَوْمِ.” 2تيموثاوس 1: 12
2– إن كل الأمور والأحداث من خير وشرّ، من ترتيب إلهي أو حتى ترتيب بشري، تحدث لهدف وقصد لحياتك. يخبرنا كلّ الكتاب المقدس بعهديه أن كل شيء كان يحدث مع رجال ونساء الكتاب المقدس كان لهدف وقصد. قد يكون لقصد إلهي يخصّ شعوبًا وأممًا، أو لقصد شخصي لكنه يكون للخير بالنهاية، حتى لو أدركنا أنه في البداية كان شرًا، مثلما حصل مثلًا مع يوسف في سفر التكوين وتحوّلت كلّ قصته بالنهاية لخيره وخير شعبه، واستطاع أن يقول”أنْتُمْ قَصَدْتُمْ لِي شَرّا امَّا اللهُ فَقَصَدَ بِهِ خَيْرا لِكَيْ يَفْعَلَ كَمَا الْيَوْمَ لِيُحْيِيَ شَعْبًا كَثِيرًا.” تكوين 50: 10
لذلك يقول الكتاب أيضًا: “وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعاً لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ اللهَ الَّذِينَ هُمْ مَدْعُوُّونَ حَسَبَ قَصْدِهِ.” رومية 8: 28
3– نحن نعيش في عالم مضطرب شوّهته الخطيئة، لا يخلو أبداً من الألم والموت والمرض والنزاعات، الكتاب المقدس لم يعدِك بحياة خالية من هذه الأمور، لكنه وعدك أن الله سيكون معك في وسطها، فلا تربطي السلام بالظروف المحيطة، لذلك يقول الكتاب:
“قَدْ كَلَّمْتُكُمْ بِهَذَا لِيَكُونَ لَكُمْ فِيَّ سلاَمٌ. فِي الْعَالَمِ سَيَكُونُ لَكُمْ ضِيقٌ وَلَكِنْ ثِقُوا: أَنَا قَدْ غَلَبْتُ الْعَالَمَ.” يوحنا 16: 33
“وسوف تسمعون بحروب وأخبار حروب. انظروا لا ترتاعوا. لأنه لا بدّ أن تكون هذه كلّها ولكن ليس المنتهى بعد، وَلَكِنَّ هَذِهِ كُلَّهَا مُبْتَدَأُ الأَوْجَاعِ.” متى 24: 6-7
“أَيْضاً إِذَا سِرْتُ فِي وَادِي ظِلِّ الْمَوْتِ لاَ أَخَافُ شَرّاً لأَنَّكَ أَنْتَ مَعِي.” مزمور 23: 4
4- المصدرالحقيقي للسلام هو الله نفسه، يقول الكتاب عن الله الآب هو إله السلام، وهو الإله الوحيد الذي لقّب بهذا اللقب، كما ذُكر في الكثير من الآيات وهذا بعضها:
“وَإلَهُ السَّلاَمِ سَيَسْحَقُ الشَّيْطَانَ تَحْتَ أَرْجُلِكُمْ سَرِيعاً.” رومية 16: 20
“أَخِيراً أَيُّهَا الإِخْوَةُ افْرَحُوا. اكْمَلُوا. تَعَزَّوْا. اهْتَمُّوا اهْتِمَاماً وَاحِداً. عِيشُوا بِالسَّلاَمِ، وإِلَهُ الْمَحَبَّةِ وَالسَّلاَمِ سَيَكُونُ مَعَكُمْ.” كورنثوس الثانية 13: 11
“وَمَا تَعَلَّمْتُمُوهُ، وَتَسَلَّمْتُمُوهُ، وَسَمِعْتُمُوهُ، وَرَأَيْتُمُوهُ فِيَّ، فَهَذَا افْعَلُوا، وَإِلَهُ السَّلاَمِ يَكُونُ مَعَكُمْ.” فيلبي 4: 9
إدراكك وإيمانك بكلّ هذه الحقائق الثابتة غير المتغيّرة سيخلق قاعدة تبني عليها سلامك الحقيقي، والذي سيكون ثابتًا غير متزعزع، بغض النظر عن كل الظروف المحيطة، لأنك أصبحتِ ترينها بعيون الحق الكتابي، ولأنها مرتبطة أيضاً بعلاقتك الأكيدة مع الله، الذي خلّّصكِ، والذي يريد هو أن يعطيكِ هذا السلام. فكون الله هو إله السلام، فيمكنك من خلال شركتك المستمرة معه ووجودك المستمر في محضره أن تختبري سلامه في حياتك وفي علاقاتك.
تفرّد سلام الله الحقيقي عن سلام العالم:
ثابت لا يعتمد على الظروف، وسلام العالم متزعزع ويعتمد على الظروف.
يقيني يستند على الحق، وسلام العالم متغيّر وليس له ثوابت تحكمه.
يعتمد على إدراك وإيمان بإله السلام، وسلام العالم يعتمد على وجود المشاعر.
يفيض ليشبع ويملأ القلب، وسلام العالم ناقص لا يستطيع حتى أن يروي.
هادف ويقود للتغيير والنمو، وسلام العالم يقود لإشباع الرغبات وأحيانًا الشهوات.
وقد حذّر يسوع تلاميذه أن يميّزوا هذا الفرق فقال لهم: “سلاَماً أَتْرُكُ لَكُمْ. سلاَمِي أُعْطِيكُمْ. لَيْسَ كَمَا يُعْطِي الْعَالَمُ أُعْطِيكُمْ أَنَا. لاَ تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ وَلاَ تَرْهَبْ.” يوحنا 14: 27
لكن سلام الله في قلبي لا يعني:
- عدم وجود مشاعر خوف أو ألم أو حيرة أو حزن أو شعور بالذنب، فهذه مشاعر إنسانية بشرية، لكن الفرق هو أن سلام الله يقودك للتعامل معها وأحيانًا علاجها وبعدها للتوبة، وبدون سلامه ستقودك هي إلى تدمير نفسكِ وإلى المرض وأحيانًا إلى الانتحار عند البعض.
- إن كل الظروف ستتغيّر بطريقة عجيبة، وسوف يستجيب الله لطلباتك واحتياجاتك، لكن مع عكس كل هذا، يعطيكِ المعونة والصبر والاتكال عليه لتتغيّري أنتِ من خلال هذا السلام.
- أنه محتكر فقط على رجال الدين أو خدام الكنيسة أو مَن لهم سنوات طويلة في الإيمان، لكن هو نعمة لكل من يقبل عطية الله ويؤمن به، حتى لو كان طفلًا في إيمانه.
- أنه يحتاج ممارسات من صلاة وصوم وتكريس لكي أحصل عليه، لكنه وعد منه ونعمة يعطيها الله لكل من يؤمن بها ويطلبها ويعيشها، هو فقط قرار داخلي أستطيع أن أعيشه.
قصة تحوّل فيها الخوف للسلام فجأةً،
هي قصة كتابية مؤثرة كُتبت فقط في سطور قليلة في إنجيل يوحنا 20: 19 -21 وتقول:”وَلَمَّا كَانَتْ عَشِيَّةُ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَهُوَ أَوَّلُ الأُسْبُوعِ وَكَانَتِ الأَبْوَابُ مُغَلَّقَةً حَيْثُ كَانَ التّلاَمِيذُ مُجْتَمِعِينَ لِسَبَبِ الْخَوْفِ مِنَ الْيَهُودِ جَاءَ يَسُوعُ وَوَقَفَ فِي الْوَسَطِ وَقَالَ لَهُمْ:«سلاَمٌ لَكُمْ. وَلَمَّا قَالَ هَذَا أَرَاهُمْ يَدَيْهِ وَجَنْبَهُ فَفَرِحَ التّلاَمِيذُ إِذْ رَأَوُا الرَّبّ، فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ أَيْضاً:سلاَمٌ لَكُمْ. كَمَا أَرْسَلَنِي الآبُ أُرْسِلُكُمْ أَنَا.”
التحوّل هنا كان فعاّلًا وسريعًا، أنه فقط عمل سلام الله الذي اخترق قلوبهم وأفكارهم، أفكارهم التي استبدلوها بغير الحق، وكأنهم نسوا كلّ الوعود التي أخبرهم إياها الرب، ونسوا المعجزات التي حدثت أمامهم، وسلطان وقوة كلام الرب يسوع عندما قال إنه سيقوم، مع أنهم سمعوا من المريمات في نفس اليوم عن أنهم رأوا يسوع وأنه قام، لكن لم يكن يكفي أن يملأ هذا قلوبهم بالسلام، إلا أن جاء الرب يسوع لهم، لأنهم كانوا يحتاجون مصدر السلام الحقيقي الذي جاء وبلحظة بدّل الحال وحوّل الخوف إلى فرح.
وعندما سمع بولس الرسول هذه القصة، كتب وهو في السجن مختبراً هذا السلام قائلاً: “وَسَلاَمُ اللهِ الَّذِي يَفُوقُ كُلَّ عَقْلٍ يَحْفَظُ قُلُوبَكُمْ وَأَفْكَارَكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ.” فيلبي 4: 7
بالنهاية سأترك معك حروف كلمة “سلام” لتذكّرك:
س: سلام الله هو المصدر الوحيد للسلام الحقيقي في العالم.
ل: لا يعتمد السلام الحقيقي على الظروف والواقع.
ا: إيمانك بالله وعلاقتك الحية به يخلق هذا السلام الحقيقي داخلك.
م: مشاعر الحزن والألم والخوف لا تعني عدم وجود السلام، لكنّه يقدر أن يتعامل معها.
أصلّي أن تعرفي بيقين أنك بحاجة فقط للسلام الحقيقي الذي سيملأ ويحفظ ويروي روحك ونفسك وجسدك، وتكونين وقتها قادرة أن تكوني ينبوع سلام للآخرين ولكل من حولك، ليختبروا مصدر السلام الحقيقي أيضاً.
انضمي إلينا اليوم وكوني جزءًا من مجتمعنا المتنوع! سجّلي الآن مجاناً وأنشئي ملفك الشخصي للاستمتاع بفوائد عديدة وتجارب فريدة داخل موقعنا.


![الصلاة الصلاة[1]](https://arabwomantoday.com/wp-content/uploads/2025/12/الصلاة1-300x200.webp)