تصحيح مفاهيم مغلوطة عن السلام
باب: قيمتي في الرحلة
الكاتب: جمال أيوب
التاريخ: يوليو 20, 2026
“سَلاَمًا أَتْرُكُ لَكُمْ. سَلاَمِي أُعْطِيكُمْ. لَيْسَ كَمَا يُعْطِي الْعَالَمُ أُعْطِيكُمْ أَنَا. لاَ تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ وَلاَ تَرْهَبْ.” هذه واحدة من مقولات الربّ يسوع المسيح لتلاميذه قبل أن يرحل عنهم. وقد جاءت في إنجيل يوحنا الإصحاح السادس عشر، وفيها يظهر لنا أن هناك مصدرين للسلام، واحد منهما لا يضمن للنفس الطمأنينة ولا ينزع منها الرهبة. أما السلام الحقيقي الذي يمنحه الرب لخائفيه فهو سلام يفوق كل عقل ويحفظ القلب والفكر. وهذا ما يريد الرب لكلّ واحد من أبنائه وبناته أن يستمتع به كل حياته. إنه سلام لا يمكن أن يحصل عليه الشخص من هذا العالم حتى لو امتلك العالم كلّه. إنه سلام الله كما يسمّيه الكتاب المقدس.
سلام العالم، وهو السلام الذي يشعر به الإنسان بسبب امتياز أو مكسب أو ظرف جعله في أحسن حال. أما سلام الله فهو أمر آخر، فقد يتمتّع الشخص به حتى لو لم يكن في أحسن حال. من البداية يظهر أن الفارق بين هذين السلامين كالفرق بين الثرى والثريا، وربما أكبر. ويمكن توضيح ذلك من خلال المثال التالي.
أرى أمامي صورة عامل في ورشة بناء كبيرة، ومن حوله معدّات وآلات ضخمة. أراه وقد جلس في وقت استراحته متكئاً رأسه على طوبة مجاورة لتركتور (جرّار) ذو صوت عالٍ جداً ومزعج لدرجة لا توصف. الغريب في هذه الصورة أن هذا العامل مستغرق في نومٍ عميق بالرغم من ضخامة وقباحة الصوت الملاصق له. هذه قد تكون صورة جميلة لما يمكن تسميته بالسلام.
معظم الناس وكافة الحضارات على حدّ سواء أوهمونا وعلّمونا بأن السلام يأتي للإنسان عندما يكون لديه كلّ ما يحتاج، وعندما يكون في أفضل حال: صحّة جيدة، معيشة، مال، علاقات. بمعنى أنه عندما نعيش في وضع سياسي واجتماعي واقتصادي خالِ من كلّ المنغصّات، هناك نكون في سلام. لكن الحقيقة والواقع يؤكّدان أن كلّ هذه لا تضمن لنا سلام النفس والفكر. فالسلام الذي يكون مبنياً على الإمكانيات مؤقت ومتقلّب وخادع. أما السلام الحقيقي، سلام الله، فهو قائم حتى بالرغم من الألم والمعاناة وضحالة الموارد وكذلك نقص الإمكانيات. السلام الذي يقدّمه العالم يقوم على إزالة الضيقات والمحن والمعكّرات لتشعر النفس بسلام، أما من له سلام الله فسوف ينعم بطمأنينة وراحة قلب في كلّ الظروف ومهما تغيّرت الأحوال.
والآن، كيف يمكنني أن أختبر مثل هذا السلام؟
قبل كل شيء، يقول النبي إشعياء “لا سلام قال الربّ للأشرار.” وهذا حقّ، فكيف يكون لمن يصنع شراً سلام، مهما كانت قوّته أو قوّاته! وكيف يكون للأشرار سلام وهم يعرفون أنهم أعداء لله؟ هم يعلمون أن وجه الله ضدّ فاعلي الشرّ، ويخافون من ذلك اليوم الذي سيحلّ فيهم عقاب الله. ذلك اليوم قد يكون في حياتهم أو بعد مماتهم، لذا عليهم التوبة والتصالح مع الله فيكونون في سلام مع الله. قبل ذلك لن يكون لهم ولن يتمتّع أي منهم بسلام الله.
“سلام الله” وهو الاسم الذي أعطاه بولس وذكره في رسالته إلى أهل فيلبي الأصحاح الرابع والعدد السابع “وَسَلَامُ ٱللهِ ٱلَّذِي يَفُوقُ كُلَّ عَقْلٍ، يَحْفَظُ قُلُوبَكُمْ وَأَفْكَارَكُمْ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ.” إنه سلام يرتبط بالمسيح يسوع، وفيه (أي في المسيح) يحفظ الله قلوبنا وأفكارنا. لاحظ أنه يحفظنا، يحفظنا من ماذا؟
لقد كتب بولس رسالته إلى أهل فيلبي عندما كان مسجوناً في روما وتحت حراسة جنود رومانيين. ولا بدّ أنه كان يعاني من الضيق وسوء الحال، لكنّه كان في حالة من السلام والفرح جعلت حتّى رسالته هذه مُتخمة بروح من الفرح ينتشر عبيره في كل إصحاح من إصحاحاتها الأربعة.
ولكن كيف كان لبولس هذا السلام برغم من كلّ ما كان يمرّ به؟ الجواب نجده في نفس كلامه في حديثه مع المؤمنين في كنيسة رومية الأصحاح الخامس بدءاً من العدد الأول “فَإِذْ قَدْ تَبَرَّرْنَا بِٱلْإِيمَانِ لَنَا سَلَامٌ مَعَ ٱللهِ بِرَبِّنَا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ، ٱلَّذِي بِهِ أَيْضًا قَدْ صَارَ لَنَا ٱلدُّخُولُ بِٱلْإِيمَانِ، إِلَى هَذِهِ ٱلنِّعْمَةِ ٱلَّتِي نَحْنُ فِيهَا مُقِيمُونَ، وَنَفْتَخِرُ عَلَى رَجَاءِ مَجْدِ ٱللهِ. وَلَيْسَ ذَلِكَ فَقَطْ، بَلْ نَفْتَخِرُ أَيْضًا فِي ٱلضِّيقَاتِ…”
إن الإيمان الحقيقي بيسوع المسيح والذي يرِد في العبارة “تبرّرنا بالإيمان”
يُسكِّن القلب ويهدّئ النفس “لنا سلام مع الله بربّنا يسوع المسيح” صرنا أبناء بعد أن كنّا أعداء. فلا أهوال الجحيم ولا ممالك الشرّ والظلمة يمكنها أن تفصلنا عن محبّة الله في المسيح يسوع. وننعم برعاية إلهية لا مثيل لها، ونعمة نقيم ونحيا فيها. وليس هذا فقط بل كتب الله أسماءنا في سفر الحياة ولن يمحيها أبداً منه. ويهتم بنا بحيث أنه لا شعرة من رؤوسنا تسقط دون مشيئته. لاحظي ما يقوله بولس في العدد الثالث “وَلَيْسَ ذَلِكَ فَقَطْ، بَلْ نَفْتَخِرُ أَيْضًا فِي ٱلضِّيقَاتِ.”
نعم، سلام في الضيقات، أليس هذا ما قاله يسوع لتلاميذه في إنجيل يوحنا الإصحاح السادس عشر. “قَدْ كَلَّمْتُكُمْ بِهَذَا لِيَكُونَ لَكُمْ فِيَّ سَلَامٌ. فِي ٱلْعَالَمِ سَيَكُونُ لَكُمْ ضِيقٌ، وَلَكِنْ ثِقُوا: أَنَا قَدْ غَلَبْتُ ٱلْعَالَم.”
في كلام يسوع أعلاه، نقرأ عن دائرتين: دائرة المسيح ودائرة العالم. “قَدْ كَلَّمْتُكُمْ بِهَذَا لِيَكُونَ لَكُمْ فِيَّ سَلَامٌ” هذه هي الدائرة الأولى. وقد نسمّيها بالدائرة الضيقة. والدائرة الثانية الأوسع تتمثّل ببقية ما قاله يسوع “فِي ٱلْعَالَمِ سَيَكُونُ لَكُمْ ضِيقٌ.” في دائرة المسيح يكمن السلام، أما في دائرة العالم فسوف نواجه الضيق. لكن يسوع يطمئننا بأنه قد غلب العالم. الأمر يعتمد علينا هل نسمع له ونصدّقه حينما يقول “ولكن ثقوا: أنا قد غلبت العالم.”
ما أروع سلام المسيح الذي يتركه لنا وفينا ضمن الدائرة الصغيرة “هو”. كما قال “سَلَامًا أَتْرُكُ لَكُمْ. سَلَامِي أُعْطِيكُمْ. لَيْسَ كَمَا يُعْطِي ٱلْعَالَمُ أُعْطِيكُمْ أَنَا. لَا تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ وَلَا تَرْهَبْ.” على الرغم من أننا نحيا في الدائرة الكبيرة “العالم” والذي سيكون لنا فيه ضيق ويمكنه أن يجعل قلوبنا تضطرب وترهب. إلا إنه سلام يلمع كنجوم الليل التي تبثّ وهجاً ونوراً وجمالاً، ولا شيء يقف أمام أنوارها برغم الظلام الحالك المنتشر من كل جوانبها.
ما نحتاج وما نريد
سلام الله الحقيقي يجعلنا قنوعين بمَن نحن عليه وليس بما نملك. إن كان الله يهتم بأبديّتنا، أفلا يهتم بالأولى بحاضرنا. يعلّمنا يسوع أن الحياة أفضل من الطعام والجسد أفضل من اللباس. لا داعي للقلق بسبب ما لا نملكه فالله يهتم به. يعلم كل ما نحتاج إليه حتى قبل أن نسأله. القلق ينتاب حياتنا عندما لا نعود نميّز بين ما نحتاج وما نرغب به. الأول يضمنه الله لنا، أما الثاني فلا يهمّ إن لم نحصل عليه.
الألم والمعاناة
يعلّمنا الكتاب المقدس في رسالة رومية الإصحاح الثامن أن كلّ الأشياء تعمل معاً للخير للذين يحبّون الله، الذين هم مدعوون حسب قصده. الألم والمرض وخسارة الأشياء أو الأحباء جزء من مخطّط الله لكلّ الذين يحبّونه. لله قصد في كل ما تجتاز فيه نفوسنا، سواء كان وادي سحيق أو صحراء قاحلة أو سهلٌ خصيب. هو الضامن بأن كل هذه الأشياء تعمل معاً للخير.
انضمي إلينا اليوم وكوني جزءًا من مجتمعنا المتنوع! سجّلي الآن مجاناً وأنشئي ملفك الشخصي للاستمتاع بفوائد عديدة وتجارب فريدة داخل موقعنا.


