شجاعة الطلب

أَمَّا أَنَا فَقُلْتُ: « عَبَثًا تَعِبْتُ. بَاطِلًا وَفَارِغًا أَفْنَيْتُ قُدْرَتِي. لكِنَّ حَقِّي عِنْدَ الرَّبِّ، وَعَمَلِي عِنْدَ إِلهِي». — إشعياء 49: 4 

في ثقافتنا العربية، حيث تُعتَبر الكرامة والعزة والاعتماد على النفس من القيم العليا، قد يُعتَبَر طلب المساعدة، وخاصة المادية، علامة ضعف أو مصدر خجل. كأنَّ السعي وراء العون يُنقِص من كرامتنا، أو يكشف عن ضعف نحاول إخفاءه. لكن كلمات إشعياء تُذكِّرنا بحقيقة أعمق: هو يعترف بشعور البطلان في الجهد البشري، لكنه يُحوِّل نظره نحو أمانة الله. فالمسألة ليست بما نستطيع إنجازه بمفردنا، بل بالثقة أن مكافأتنا واحتياجاتنا تأتي من عند الرب.

في الكنيسة الأولى، رأينا نموذجًا ثوريًا من التشارك والرعاية المتبادلة: «وكان جماعة المؤمنين قلبًا واحدًا ونفسًا واحدة، ولا أحد يقول إن شيئًا من أمواله له، بل كان عندهم كل شيء مشتركًا» (أعمال الرسل ٤:٣٢). لم يكن هذا فقط عن الموارد المادية، بل كان تجسيدًا للثقة في عناية الله، وبناء ثقافة من التواضع والسخاء. عندما كانوا يطلبون المساعدة، كسروا جدران الكبرياء والعزلة، وأسسوا مجتمعًا يشعر فيه كل فرد بالانتماء والرعاية.

وفي حياتنا، قد يكون طلب المساعدة من أصعب الأمور. سواء كانت معونة مالية، دعمًا عاطفيًا، أو إرشادًا روحيًا، فإن الخوف من أن يُساء فهمنا أو يُنظر إلينا كضعفاء يمكن أن يُثنينا عن الطلب. لكن الله يدعونا لنعيش ضمن جماعة إيمان حيث يُعتَبر الضعف شجاعة، والانكشاف علامة ثقة، وليس خزيًا. لأن قيمتنا الحقيقية لا تُقاس بما نملك أو نحقق، بل بأننا أبناء الله، محبوبون ومُعتنَى بنا بمحبة لا تُقدَّر بثمن.

صلاة:

يا رب، نأتي إليك بقلوب تُصارع أحيانًا لتثق في عنايتك. في ثقافة تُمجِّد القوة والاستقلال، نشعر أحيانًا بالخجل أو التردد في طلب العون. علّمنا أن قيمتنا لا تأتي مما نفعله أو نمتلكه، بل من نعمتك ومحبتك التي لا تتغير. أعطِنا الشجاعة لطلب المساعدة حين نحتاجها، وقبول رعاية الآخرين باتضاع. ساعدنا أن نبني مجتمعات يعكس فيها السخاء والرحمة ملكوتك على الأرض. شكرًا لأنك راعينا وأبونا في كل ظروف الحياة.

باسم يسوع نصلي، آمين.