الخلوة الشخصية
باب: نموي في الرحلة
الكاتب: جمال أيوب
التاريخ: يناير 1, 2026
منذ زمن وسميرة تعاني من شعورها بالذنب والتقصير من ناحية قضاء وقت مع الرب في خلوة شخصية يومية. فيومها مليء بالكثير من الواجبات والمسؤوليات، هذا بالإضافة إلى الكثير من الأمور الطارئة غير المتوقعة. وسط هذا كلّه كانت تشتاق وترغب بتلك الأوقات المميزة التي اختبرتها وعاشتها سابقًا، ورغم انخراطها في خدمات كنسية إلا أنها تعلم أن هذا كلّه لا يغني عن الخلوة الشخصية.
كانت سميرة تدرك أهمية صرف الوقت في معرفة الله والرب يسوع المسيح من خلال الخلوة ولكن ظروفها ومشغولياتها لم يساعدها كثيراً على بناء هذه العادة وتطويرها وأخذها لمستوى جديد. ولكن مع الوقت وبمساعدة آخرين تمكّنت من بناء هذه العادة وما زالت تثابر للاستمرار بها ومقاومة المعطلات.
أهمية الخلوة الشخصية
إن معرفة الله على حقيقته، بشكل شخصي، وعبر رحلة خاصة بدأت بالولادة الجديدة، هو أهم أمر على كل مؤمن السعي لأجله. اسمعي ما يقوله الله نفسه عن هذا الأمر في إرميا 19: 23- 24 “هكذا قالَ الرَّبُّ: لا يَفتَخِرَنَّ الحَكيمُ بحِكمَتِهِ، ولا يَفتَخِرِ الجَبّارُ بجَبَروتِهِ، ولا يَفتَخِرِ الغَنيُّ بغِناهُ. بل بهذا ليَفتَخِرَنَّ المُفتَخِرُ: بأنَّهُ يَفهَمُ ويَعرِفُني أنّي أنا الرَّبُّ الصّانِعُ رَحمَةً وقَضاءً وعَدلًا في الأرضِ، لأنّي بهذِهِ أُسَرُّ، يقولُ الرَّبُّ.”
لقد بدأت سميرة علاقة جديدة مع الرب يسوع المسيح، وهذا أعظم امتياز وأمر لا يعادله أو يقترب منه أي امتياز مهما سما. لقد أصبحت سميرة ابنةً لله ووارثةً للحياة الأبدية في يسوع المسيح الربّ والمخلّص. وربما إدراكها لهذه الحقيقة هو ما جعلها تعيد ترتيب أولوياتها ليكون معرفة الله في يسوع المسيح هو أهم أمر عليها القيام به في رحلة التلمذة.
إن عظمة وسمو المسيح هو المحرّك الذي يقودنا للرغبة في صرف الوقت معه. محبته ومراحمه والرغبة في معرفة أمجاده هي ما يحفزّنا لذلك.
وإذا لم يكن ذلك يكفي فسوف نواجه الكثير من الإغراءات والأشياء والأهداف التي ستحاول أن تحلّ محلّ الله، وتدعونا لاستبداله. كل ما يسعى إبليس ويجتهد لعمله يكمن في أنه يريدنا أن نتعامل مع الله على أنه مجرّد فكرة كباقي الأفكار أو شخص مثل أي شخص، ولا ضرورة لتبجيل الله والتعامل معه على أنه أعلى أو أسمى من ذلك.
يخبرنا الله أنه يريد رحمة لا ذبيحة، ومعرفته أكثر من تقديم الذبائح (هوشع 6:6). فأن تعرفيه أهم جداً مما يمكنك أن تقدّميه له، ومعرفته شخصياً أهم جداً مما يمكنك أن تعرفيه عنه. ولن تتعرّفي عليه وتعرفيه أكثر كل يوم دون أن تكّرسي له الوقت، ليس أي وقت بل أفضل وقت في برنامجك اليومي من أجله هو.
لقد بُهرت سميرة بالمثل الذي قرأته في إنجيل متى والأصحاح 13 والأعداد 44-46:
“أيْضاً يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ كَنْزاً مُخْفىً فِي حَقْلٍ وَجَدَهُ إِنْسَانٌ فَأَخْفَاهُ. وَمِنْ فَرَحِهِ مَضَى وَبَاعَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ وَاشْتَرَى ذَلِكَ الْحَقْلَ. أَيْضاً يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ إِنْسَاناً تَاجِراً يَطْلُبُ لآلِئَ حَسَنَةً فَلَمَّا وَجَدَ لُؤْلُؤَةً وَاحِدَةً كَثِيرَةَ الثَّمَنِ مَضَى وَبَاعَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ وَاشْتَرَاهَا.”
في هذا المثل عرفت سميرة أن الرب يسوع التاجر الحقيقي وأفضل من يخمّن ويعرف قيمة الأشياء والأشخاص، رآها وعرف أنها كنز ولؤلؤة، فرح بها ومضى كل الطريق وباع كل ما له، حياته، واشتراها لتكون له. وهذا ما جعلها تمتلئ فرحاً وثقةً بأن الله يكمن في قلبه كل الخير والمحبة من نحوها، ولهذا فهي تريد أن تعرفه أكثر لتختبر منه ومعه هذا الحب.
ماهية الخلوة الشخصية
- الاستعداد للخلوة الشخصية:
“وأمّا أنتَ فمَتَى صَلَّيتَ فادخُلْ إلَى مِخدَعِكَ وأغلِقْ بابَكَ، وصَلِّ إلَى أبيكَ الّذي في الخَفاءِ.” متى 6:6. يظهر جلياً من تعليم يسوع هذا أن يقوم المؤمن بترتيب المكان والظرف المناسبين ليختلي فيهما مع الله. لا يقصد الله بحالة جسمانية معينة أو بمكان معين، بل بظرف يمكّنك من أن تكوني وحدك مع الله أبيك. الصلاة أهم أمر فيه، والأهم من ذلك لمن تصلّي؟ أبوك. نعم لأبيك أنت. في الخفاء. وهو من يجازيك علانيةً.
- مثالنا في الخلوة الشخصية:
مثالنا الأسمى على الاختلاء بالله هو الرب يسوع المسيح نفسه “وفي الصبح باكراًً جدا قام وخرج ومضى إلى موضع خلاء وكان يصلي هناك.”(مرقس 1: 35). وفي إنجيل لوقا 6: 12 “وفي تِلكَ الأيّامِ خرجَ إلَى الجَبَلِ ليُصَلّيَ. وقَضَى اللَّيلَ كُلَّهُ في الصَّلاةِ للهِ.”
- فوائد الخلوة الشخصية:
تمنحنا الخلوة مع الله أبينا وابنه يسوع المسيح وشركة الروح القدس منظوراً صحيحاً للحياة. وهذا يحدث لنا عندما نعرف الله أكثر، ونعرف يسوع المسيح بطريقة أكثر شخصية. في كل مرة نقترب فيها لله بالصلاة وقراءة الكتاب المقدس نتغّير لنشبه المسيح أكثر.
إن الوجود في حضرة الله وفي خلوة شخصية معه يجلب لنا كل الفرح والمتعة اللازمين لنحيا حياةً أفضل. يذكر تيموثي كلر، الكاتب اللاهوتي وراعي كنيسة في نيويورك في كتابه المعنون باللغة العربية الإيمان في عصر التشكيك “عندما يكون شيء ما نافعاً، تنجذب إليه من أجل ما يمكن أن يأتيك به أو يفعله لك. ولكن إذا كان جميلاً، فعندئذٍ تتمتع به من أجل ما هو في ذاته. حتى إن الوجود في حضرته هو المكافأة الخاصة المرتبطة به.”
مع مرور الوقت أدركت سميرة كما أدرك الكثيرون غيرها ممن لهم علاقة وشركة حية مع الله أن الوجود في حضرة الله هو من أعظم ما يمكن أن نختبره كبشر غفر الله لهم كل خطاياهم وكتب أسماءهم في سفر الحياة. مجداً لله.
ماذا تفعلين في خلوتك الشخصية
- تستمعين لله:
يعلّمنا البشير لوقا في لوقا 10 أن الحاجة هي إلى واحد. فأجابَ يَسوعُ وقالَ لها: «مَرثا، مَرثا، أنتِ تهتَمّينَ وتَضطَرِبينَ لأجلِ أُمورٍ كثيرَةٍ، ولكن الحاجَةَ إلَى واحِدٍ. فاختارَتْ مَريَمُ النَّصيبَ الصّالِحَ الّذي لن يُنزَعَ مِنها.” (لوقا 10: 38 – 42)
حاجتنا كبيرة لله بحيث يصغر أمامها أهم أمور الحياة. الأخت مرثا اهتمت بخدمة الرب يسوع، وقد كانت متعبة لدرجة أنها اشتكت للرب أختها مريم التي تركتها تخدم وحدها، وطلبت منه أن يطلب من مريم أن تعينها. لكن الرب يسوع وضّح لها ولنا جميعاً أن أمور الحياة الكثيرة التي تسبّب لنا الكثير من الاضطراب هي ما تجعلنا في احتياج لواحد، ينبغي أن يأخذ الرقم واحد. إنه الرب يسوع المسيح الذي نحتاج أن نجلس عند قدميه ونستمع لكلامه.
إذاً، في كل مرّة نفتح فيها الكتاب المقدس نفتح الباب ليسوع ليتحدّث إلينا. ليتحدّث إلى قلوبنا. يريد بكلماته أن يمنحنا السلام واليقين بأن كل شيء على ما يرام. فإن أردت أن تسمعي صوت الله، فأين يمكنك أن تسمعيه إن كنت بعيدة عن كلمته المقدّسة! إن ما تسمعينه هو عن كلمة الله أو ما يقوله أو يفكّره أو ما تعلّمه آخرون عن كلمة الله، ولكن ما تحتاجينه أنت بالفعل هو التعلّم الشخصي من دراسة الكتاب المقدس مباشرة، وهذا ما تحصلين عليه عندما تقرأينها.
يعتبر المزمور 119 في العهد القديم من أجمل ما قيل في شريعة الله وكلامه، أشجعكِ أختي العزيزة على قراءته والتأمل في عظمة كلماته. اُنظري إلى هذا المزمور:
مزمور 119: 97 – 104 “كمْ أحبَبتُ شَريعَتَكَ! اليومَ كُلَّهُ هي لهَجي. وصيَّتُكَ جَعَلَتني أحكَمَ مِنْ أعدائي، لأنَّها إلَى الدَّهرِ هي لي. أكثَرَ مِنْ كُلِّ مُعَلِّميَّ تعَقَّلتُ، لأنَّ شَهاداتِكَ هي لهَجي. أكثَرَ مِنَ الشُّيوخِ فطِنتُ، لأنّي حَفِظتُ وصاياكَ. مِنْ كُلِّ طريقِ شَرٍّ مَنَعتُ رِجلَيَّ، لكَيْ أحفَظَ كلامَكَ. عن أحكامِكَ لَمْ أمِلْ، لأنَّكَ أنتَ عَلَّمتَني. ما أحلَى قَوْلكَ لحَنَكي! أحلَى مِنَ العَسَلِ لفَمي. مِنْ وصاياكَ أتَفَطَّنُ، لذلكَ أبغَضتُ كُلَّ طريقِ كذِبٍ.
في قراءة الكتاب المقدس يتحدث الله الينا. وفي صلاتنا نحن نتحدّث إلى الله. هذا هو المكون الثاني الذي ينبغي أن تتضّمنه خلوتنا الشخصية.
- تتكلّمين إلى الله:
رغم أن الله يعرف كل كلمة قبل أن نتفوه بها، ويعرف مكنونات قلوبنا وأفكارنا، إلا أنه يشتاق ويريدنا أن نتحدث إليه. مثل الأب الذي يتلذذ بالشركة التي له مع أبنائه. وكم يسعد الرب بأن نرفع له صلوات منبعها القلب. كلمات تعبّر عن الحب والامتنان، كلمات تسبيح وشكر وحمد. صلوات لا تنم عن حاجات فقط، بل تنم عن إعجاب وانبهار بربّ السماء والأرض راعي نفوسنا وحافظها.
في مسيرة التلاميذ مع الرب يسوع رأوا كيف يصرف يسوع خلوته مع الآب، وهذا ما دعاهم ليطلبوا منه أن يعلّمهم الصلاة. وهذا ما قاله لهم الرب يسوع في إنجيل لوقا الأصحاح 11: 2- 4 “مَتَى صَلَّيتُمْ فقولوا: أبانا الّذي في السماواتِ، ليَتَقَدَّسِ اسمُكَ، ليأتِ ملكوتُكَ، لتَكُنْ مَشيئَتُكَ كما في السماءِ كذلكَ علَى الأرضِ. خُبزَنا كفافَنا أعطِنا كُلَّ يومٍ، واغفِرْ لنا خطايانا لأنَّنا نَحنُ أيضًا نَغفِرُ لكُلِّ مَنْ يُذنِبُ إلَينا، ولا تُدخِلنا في تجرِبَةٍ لكن نَجِّنا مِنَ الشِّرّيرِ».
في صلواتنا نقدم الحمد والشكر، نقدّس اسم الله أبونا. ونعرض له احتياجاتنا اليومية المتمثّلة في الخبز، وكذلك في الغفران لخطايانا. نذكر كم غفر لنا ليجعلنا نغفر لكل من يسيء إلينا. ونسأله أن يحفظنا في التجارب وينجّينا من الشرير.
معطلات الخلوة الشخصية
يختصر القس رضا عدلي في أحد تأملاته عن الخلوة الشخصية ومعطلاتها بسببين رئيسيين هما:
1- الإرهاق: يختار بعضنا قضاء خلوته الشخصية مع الله في نهاية اليوم، ورغم أن هذا يدل على نوع من النضج الروحي الذي يدل على أن صاحبه لا يمكنه أن ينهي يومه دون أن يسمع الله ودون أن يُسمع الله صوته. إلا أن المشكلة تكمن في الإرهاق والتعب الذي يصاحبنا بعد يوم طويل من العمل. هذا الإرهاق يقلل من جودة الخلوة، وكذلك من وقتها وتأثيرها في حياتنا. لقد قصد الله من الوقت الذي نصرفه معه أن يهبنا الإرشاد والقوة لمواجهة ظروف الحياة المتنوعة والصعبة كل يوم. لكن أن نأتي له في نهاية اليوم متعبين ومرهقين لن يساعدنا على تلقي هذا الإرشاد والقوة. وعليه، يبدو أن أفضل وقت في النهار، وغالباً هو في الصباح هو أفضل وقت لكي تكون نشطاً ومستعداً للتواصل مع الرب والتمتع بهيبة حضوره.
2- مشغوليات ومشكلات الحياة: من السهل علينا أن ننشغل بالحياة وما فيها، وكلما كبرنا كلما زادت مسؤولياتنا، وكبرت التحديات التي ينبغي التعامل معها كل يوم. هموم الحياة يمكنها أن تسلب منّا كل الرغبة والإرادة لصرف الوقت مع الله. وعوضاً عن أن تقودنا مشاكل الحياة ومتاعبها للرب، إلا أننا نجد أنها أخذتنا عنه. يعلّمنا الرسول بولس أن تجارب الحياة هي بشرية، هي جزء من كوننا بشر. لكن الله أمين لكي لا يدعنا نجّرب فوق ما نستطيع ودائماً يمنحنا معها المنفذ لكي نحتمل. (أنظر 1 كور 10: 13)
وعادةً، يكشف الله لنا المنفذ عبر الحديث إلينا بواسطة كلمته المقدسة. وهذا ما اختبره الكثيرون من أبناء الله عبر كل الأزمان.
3_ الملل: حذّرنا الرب يسوع من هذه الآفة في قوله لنا بأنه ينبغي أن يُصلّى كل حين ولا يملّ، ويمكننا التغلّب على الملل باختيارنا طرق وأساليب جديدة لقضاء الوقت مع الرب وكلمته. ومنها اختيار ترجمات متنوعة وبلغات أخرى، واستخدام تطبيقات على الهاتف، والاستعانة بمجموعة دعم ومشاركة ما تتعلّمينه مع آخرين، والاستماع لنصوص وترانيم مختلفة.
إذن، اختر الوقت المناسب لتلتقي بالرب، وحدّد المكان واعتد اللجوء إليه لقضاء خلوتك مع الرب. وتذّكر دائماً أنه وحدك يمكنك أن تصل سريعاً لغايتك. ومع آخرين يمكنكم الوصول لما هو أبعد وتحقيق ما هو أعظم. ولكن إن أردت رفقة ممتعة ووصولًا آمن في رحلة مثيرة ومغامرة لا مثيل لها، فاذهب برفقة يسوع المسيح.
انضمي إلينا اليوم وكوني جزءًا من مجتمعنا المتنوع! سجّلي الآن وأنشئي ملفك الشخصي للاستمتاع بفوائد عديدة وتجارب فريدة داخل موقعنا.


