الصلاة

باب: نموي في الرحلة

الكاتب: معاوية هلسة

التاريخ: فبراير 24, 2026

من أكثر الأشياء التي يُعرف عنها المسيحيون هو موضوع الصلاة، لكنّها من أقلّ الأمور التي يمارسونها. وحيثما تنظر من حولك، تجد أشخاصًا يصلّون في العلن أو في الخفاء، وتجد أن كلّ شخص يصلّي، لديه القناعة أن الله قد سمع صلاته. وفي الحقيقة، فإن فكرة أن الله يسمع جميع الصلوات التي يرفعها البشر إليه فكرة جميلة ومنطقية، فالإله يجب أن يكون لديه القدرة على سماع جميع الصلوات في كلّ العالم وحتى لو كانت جميعها في نفس الوقت. لكن السؤال المهم الذي يبدو أننا نحتاج لإجابة عنه هو:

إذا كان الله يسمع كل الصلوات، فهل يستجيب لهذه الصلوات جميعها؟

الجواب بحسب الكتاب المقدس هو: لا! لماذا؟ لأن الإنسان في حالة عداوة مع الله بسبب خطيّته التي أصبحت فاصلاً بينه وبين الله (أشعياء 59: 1-2). في إحدى المرّات كان الربّ يسوع يعلّم عن أهمية الصلاة فقال: “فمن منكم وهو أب يسأله ابنه خبزًا، أفيعطيه حجرًا؟ أو سمكةً، أفيعطيه حيّةً بدل السمكة؟” (لوقا 11: 11-13).

إذن موضوع الصلاة كما يعلّمه الربّ يسوع عند قراءة الكتاب المقدس مبني بالدرجة الأولى على العلاقة: ابن يطلب من أبيه خبزًا أو سمكةً، فيستجيب الأب لطلب ابنه ويعطيه. 

وبدون هذه العلاقة مع الله، فإن الله لن يستجيب الصلاة. إذًا الخطوة الأهم في علاقة الإنسان مع الله هي خطوة المصالحة، التي من خلالها ينال الإنسان غفران الله عن خطاياه، فيصبح ابنًا لله. “وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ.” (إنجيل يوحنا 1: 12).

 تعلّمنا في ثقافتنا وفي الأديان جميعها أن الإنسان مطلوبٌ منه أن يعمل شيئًا أو أشياء لكي يقبله الله، لكن الشيء الغريب والمميّز في المسيحية هو أن الإنسان هو الذي يقبل الله. كيف أقبل الله؟ الجواب ببساطة: أعترف بخطاياي، وأعلن إيماني بما عمله المسيح على الصليب لأجلي. عندها دم يسوع يطهّرني من كل خطيّة (رسالة يوحنا الأولى 1: 7)، وُأصبح ابنًا لله.

وقد يتساءل البعض: ما دام الأب يعرف أن ابنه يحتاج لخبزٍ أو سمكةٍ، فلماذا لا يُعطيه دون أن يطلب؟

وما يُعطي هذا السؤال شرعيةً ومصداقيةً، هو أننا نقرأ في إنجيل متى 6: 8-9 ما يلي: “…… لأَنَّ أَبَاكُمْ يَعْلَمُ مَا تَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ قَبْلَ أَنْ تَسْأَلُوهُ. فَصَلُّوا أَنْتُمْ هكذا ……” أليس غريبًا أن الربّ يسوع يقول “أباكم يعلم…….. فصلّوا”. إن كان أبانا السماوي يعلم، فلماذا نصلّي ونطلب؟ هذا سؤال جميل ومنطقي، وللإجابة عنه نقول: صحيح أن العلاقة هي بين أبّ وأبنائه، لكن يجب على الأبناء أن يصلّوا كما طلب إليهم الربّ يسوع.

لماذا أصلّي؟
أولًا، عندما أصلّي فأنا أمارس إيماني أن الله حاضر دائمًا معي ويسمعني.

“وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صَلَّيْتَ فَادْخُلْ إِلَى مِخْدَعِكَ وَأَغْلِقْ بَابَكَ، وَصَلِّ إِلَى أَبِيكَ الَّذِي فِي الْخَفَاءِ. فَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً”. (إنجيل متى 6: 6).

ثانيًا، لأن الله يحبّ أن يسمعني وأنا أعلن له اعتمادي عليه وثقتي به.

“مُلْقِينَ كُلَّ هَمِّكُمْ عَلَيْهِ، لأَنَّهُ هُوَ يَعْتَنِي بِكُمْ”. (رسالة بطرس الأولى 5: 7).

ثالثًا، لأن الصلاة تذكّرني أنني لا أستطيع أنا أعيش روحيًا دون الله.

“لأَنَّنَا بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ”. (أعمال الرسل 17: 28).

رابعًا، الصلاة سلاح قويّ في حربي الروحية. 

“مُصَلِّينَ بِكُلِّ صَلاَةٍ وَطِلْبَةٍ كُلَّ وَقْتٍ فِي الرُّوحِ، وَسَاهِرِينَ لِهذَا بِعَيْنِهِ بِكُلِّ مُواظَبَةٍ وَطِلْبَةٍ، لأَجْلِ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ.” (أفسس 6: 18).

خامسًا، لأن الصلاة وصيّة إلهية، وأنا أطيع هذه الوصية.

“اِسْأَلُوا تُعْطَوْا. اُطْلُبُوا تَجِدُوا. اِقْرَعُوا يُفْتَحْ لَكُمْ”. (إنجيل متى 7: 7).

سادسًا، لأنني أحبّ التشفّع في الآخرين وأذكرهم أمام عرش النعمة كما فعل الربّ يسوع. (إنجيل يوحنا 17)، والقديسون من بعده.
أنواع الصلاة 

توجد أنواع كثيرة من الصلوات التي يتحدّث عنها الكتاب المقدس في أكثر من موضع. وصلاة الطلب من الله، هي أحد أنواع الصلاة، لكن الكثيرون جعلوا صلاة الطلب هي الصلاة الوحيدة التي يمارسونها. دعونا نتعرّف على بعض أنواع الصلاة التي يذكرها الكتاب المقدس:

أ. صلاة العبادة (عبرانيين 13: 15)

“فَلْنُقَدِّمْ بِهِ فِي كُلِّ حِينٍ ِللهِ ذَبِيحَةَ التَّسْبِيحِ، أَيْ ثَمَرَ شِفَاهٍ مُعْتَرِفَةٍ بِاسْمِهِ”.

هنا نعبد الله ونسبّحه لأجل صفاته فهو الخالق، الأمين، طويل الروح، كثير الرحمة، ……… هنا المخلوق يعبد الخالق.

ب. صلاة الشكر (تسالونيكي الأولى 5: 18)

“اشْكُرُوا فِي كُلِّ شَيْءٍ، لأَنَّ هذِهِ هِيَ مَشِيئَةُ اللهِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ مِنْ جِهَتِكُمْ”.

هنا نشكر الله على عطاياه، على كلّ الأشياء التي أعطاها، والأشياء التي لم يُعطها.

ج. صلاة التشفّع (دانيال 9: 1-27)

هنا نسكب قلوبنا من أجل الآخرين، حيث نضعهم أمام عرش النعمة. هناك خوف أن تتمحور صلواتنا وطلباتنا حول أنفسنا واحتياجاتنا. الصلاة لأجل الآخرين تُخرجنا من دائرة الذات، وتجعلنا نفكّر بالآخرين ونصلّي لأجلهم.

كيف يمكن أن نصلّي لأجل الآخرين؟

تمتلئ صفحات العهد الجديد بالعديد من الصلوات التي رفعها الرب يسوع وكتّاب الأسفار المقدسة لأجل الآخرين. يمكننا أن نصلّي من أجل:

  • خلاص الآخرين، “فَأَطْلُبُ أَوَّلَ كُلِّ شَيْءٍ، أَنْ تُقَامَ طَلِبَاتٌ وَصَلَوَاتٌ وَابْتِهَالاَتٌ وَتَشَكُّرَاتٌ لأَجْلِ جَمِيعِ النَّاسِ، لأَجْلِ الْمُلُوكِ وَجَمِيعِ الَّذِينَ هُمْ فِي مَنْصِبٍ، لِكَيْ نَقْضِيَ حَيَاةً مُطْمَئِنَّةً هَادِئَةً فِي كُلِّ تَقْوَى وَوَقَارٍ، لأَنَّ هذَا حَسَنٌ وَمَقْبُولٌ لَدَى مُخَلِّصِنَا اللهِ، الَّذِي يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَخْلُصُونَ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ يُقْبِلُونَ”. (1تيموثاوس2: 1-4).
  • لأجل ثبات المؤمنين في الرب “صلّى الرب يسوع لأجل بطرس لكي لا يفنى إيمانه.” (إنجيل لوقا 22: 32).
  • لأجل وحدة المؤمنين “وَلَسْتُ أَنَا بَعْدُ فِي الْعَالَمِ، وَأَمَّا هؤُلاَءِ فَهُمْ فِي الْعَالَمِ، وَأَنَا آتِي إِلَيْكَ. أَيُّهَا الآبُ الْقُدُّوسُ، احْفَظْهُمْ فِي اسْمِكَ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي، لِيَكُونُوا وَاحِدًا كَمَا نَحْنُ.” (إنجيل يوحنا 17: 11).
د. صلاة الاعتراف (يوحنا الأولى 1: 9)

“إنِ اعْتَرَفْنَا بِخَطَايَانَا فَهُوَ أَمِينٌ وَعَادِلٌ، حَتَّى يَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَيُطَهِّرَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ”. من دون اعتراف بالخطيئة، لن ننال غفران الله.

هـ. صلاة الطلب (إنجيل متى 7: 7) 

“إِسْأَلُوا تُعْطَوْا. اُطْلُبُوا تَجِدُوا. اِقْرَعُوا يُفْتَحْ لَكُمْ. لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَسْأَلُ يَأْخُذُ، وَمَنْ يَطْلُبُ يَجِدُ، وَمَنْ يَقْرَعُ يُفْتَحُ لَهُ”.

و. الصلاة الجماعية (أعمال الرسل 12: 5-18) 

اتحدَ المؤمنون في الكنيسة الأولى عندما واجهوا تهديدات واضطهادات، فسمع الله الصلاة وأنقذ بطرس الذي كان مسجونًا، وكان هيرودس مزمعًا أن يعدمه.

ليست الصلاة ممارسة منفصلة يمارسها الشخص وحدها، وإنما هي مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالكتاب المقدس. فعندما قراءة الكتاب المقدس، فإن الشخص يسمع صوت الله يكلمه من خلال الكلمة المقدسة، فيكون تجاوب الشخص مع ما كلّمه الله به عن طريق الصلاة. إذًا، من خلال الكلمة المقدسة يرسل لنا الله رسالة فيها إعلان، وخبر، ووصية، وبعد أن تصلنا الرسالة، نردّ عليها من خلال الصلاة.

وقراءة الكتاب المقدس وحدها تجعل الإنسان مثقفًا روحيًا، في حين أن الصلاة وحدها تحوّل الإنسان إلى مجرّد شخص يعتقد أنه يصلّي، لكنه في الواقع يستعطي. وعندما تترافق قراءة الكتاب المقدس مع الصلاة، تتحوّل هذه الممارسة المقدّسة إلى فرصة للتغيير والنمو الروحي والنضج الروحي للشخص الذي يعرف كيف يتجاوب مع دعوة الله له.

ومن المناسب هنا أن اطرح عليكِ قارئتي العزيزة أسئلة هامةً تحتاج الإجابة عنها لجرأة: كيف تصلّين؟

هل لديك التأكيد أن صلاتك وصلت إلى الله؟ وهل حصلت على استجابة لصلاة رفعتيها يومًا ما؟ تمارسين بانتظام قراءة ودراسة الكتاب المقدس؟ هل حصل وأدركتِ في إحدى المرات أن الله يكلّمك من خلال الكلمة المقدسة؟ وهل تجاوبتِ مع ما كلمك الله به؟

أصلّي أن يستخدم الرب هذه المقالة لكي يُشعل قلبكِ بمحبته، وأن تتحوّل الصلاة من كونها عبئًا وممارسة خالية من الحياة، إلى قوة روحية تتفجر في حياتك، فيقودك الرب إلى أعماق جديدة في العلاقة معه. 


انضمي إلينا اليوم وكوني جزءًا من مجتمعنا المتنوع! سجّلي الآن وأنشئي ملفك الشخصي للاستمتاع بفوائد عديدة وتجارب فريدة داخل موقعنا.

#الكتاب المقدس #بلشي من هون #صلاة #صوت الرب #يسوع المسيح