هل أنا التي أظهر بها على السوشال ميديا هي انعكاس حقيقي لمن أنا؟

إعداد: لما عطاالله

 

4 مؤشرات على أنني أعيش هوية زائفة على السوشال ميديا

كنت لطالما أذكر خجولة مع عدم ثقّة بالنفس، تروي رولا،  كنت ألجأ دوماً إلى قراءة القصص في غرفتي. لم أتكلم كثيراً، لدي صديقة واحدة، التي كانت جارتي وزميلتي في الصفّ. أذكر وأنا في الصف الثامن أنه تمت دعوتي مع مجموعة من زميلات صفي لتناول وجبة غذاء لدى إحداهن، على مدار الجلسة، كنت مستمعة فقط، ولم أتكلم إلّا عندما وُجه لي سؤال. هذه القصة أذكرها وما زالت عالقة بذهني. 

في الصف التاسع دخل الإنترنت إلى حياتي. كمبيوتر كبير في غرفة الصالون بمنزلنا، بدأت بالتواصل مع أصحابي من خلال غرف التشات. عندها، اكتشفت مساحة جديدة من التواصل والتعبير عن الذات. من غرف التشات إلى الفيسبوك والانستجرام والتويتر، أصبحت صوتًا يُسمع. هذه المنصات منحت لي مكان أحكي فيه أفكاري ومشاعري وأحلامي. عندما أردت أن أعبّر عن رأيي، كتبت. أصبحت الكتابة الوسيلة الأسهل للتواصل مع الآخر، أصبح لديّ أصدقاء وصديقات بالعشرات والمئات، ولم أشعر أني وحدي بعد الآن. كأن الإنترنت أعطاني الثقة بالنفس التي كنت دائمًا أفتقدها. والغريب في قصتي، أني ما زلت تلك الفتاة الخجولة جدًا، ففي أي مناسبة اجتماعية، أكون قليلة الكلام، أجلس وحدي، بصراحة أكره هذه المناسبات أصلًا… وفي إحدى المرات يقول لي أحد أصدقائي “الافتراضيون”: “أنا جد معجب بكتاباتك وبحب صورك كتير، شو رأيك نطلع نشرب قهوة؟”. سارعت بالرفض لأني أعلم أن رولا على السوشال ميديا تختلف كثيرًا عن رولا في الواقع. وكنت متيقنة أنه لن يعجَب بي عندما نلتقي.

هل ترين أي تشابه بينك وبين رولا؟ هل تجدي نفسك تظهرين بهوية معينة على السوشال ميديا تختلف عن هويتك الحقيقية؟ 

السوشال ميديا أصبحت جزءًا أساسيًا من حياتنا، أكاد أجزم أنها أصبحت إدمانًا. لدرجة وصلت إلى أن الشخص في لحظة استيقاظه من النوم، يتحسس جانبه على هاتفه ليفتحه، ويتصفحه لمعرفة ما الجديد الذي طرأ خلال ساعات نومه. نحن جيل الاتصال، الجيل الذي نقضي معظم وقتنا على الإنترنت. مع زيادة وسائل التواصل الاجتماعي وكمية الأشياء التي يمكن للأشخاص القيام بها على هذه المنصات، أصبحنا وكأننا ندمجها في حياتنا بالكامل. ولأنها مجانية ولا تضع أي شروط لمستخدميها أصبحت هذه المواقع لجميع طبقات المجتمع ولم تعد مقتصرة على طبقة أو فئة معينة، كل يعبر كيفما يشاء وقتما يشاء، مطلقة العنان لمستخدميها لينشروا أفكارًا وصورًا وفيديوهات و…إلخ.

 لكن هل هويتنا الافتراضية هي نفسها هويتنا الحقيقية؟

الهوية كما عرفناها سابقًا في مقالنا هي تركيبة صفاتك، وخصالك، وقيمك ومبادئك، وقدراتك، وخياراتك، وتوقعاتك وكل ما يعرِّفك ويجعلك مَن أنتِ عليه. تتشكّل هويتنا من مصادر مختلفة منها أربعة أساسية: المجتمع، والثقافة، وطريقة التربية والعائلة، وخبرات الحياة والميديا ووسائل التواصل الاجتماعي. في مقالنا هذا سنركّز على هويتنا التي تتشكّل نتاج السوشال ميديا. 

تمنحنا وسائل التواصل الاجتماعي منصة لإنشاء هوية افتراضية يمكن أن تجسّد عناصر من هويتنا الحقيقية، وتسمح لنا بحجب جوانب معينة من أنفسنا قد لا نريد أن نظهرها بثقة.

ما هي الأمور أو العوامل التي تخلق تباينًا بين هويتنا الحقيقية وهويتنا الافتراضية؟

 تقوم وسائل التواصل الاجتماعي في نقل الأفكار والآراء المتعلّقة بقضية معينة لعدد كبير من الأشخاص في مناطق مختلفة من العالم في وقت قصير جدًا. وتتيح بذلك المجال لنشر رأي عام لبعض القضايا، وهو الأمر الذي ينتج عنه تغيير إيجابي في بعض جوانب الحياة، غير أنها في المقابل قد تقع في فخ التأثير السلبي في الرأي العام، حينما يتم توظيفها بهدف تغيير قناعات أفراد المجتمع في اتجاه معين. 

من الأمثلة على ذلك، خلال تصفحي لأحد مواقع التواصل الاجتماعي في أحد الأيام، أجد عددًا كبيرًا من الأصدقاء ينشرون على صفحاتهم عن جريمة معينة حدثت ويشتركون بإلقاء اللوم على فتاة كانت موجودة في المشهد. للأسف لم يتم نشر أي شهادات أو تفسيرات تؤكد على هذه الفكرة. لكن للأسف أُعطيت الفتاة هذه التهمة وشوهت سمعتها في كل البلاد بدون أي تبرير أو فهم واضح للمشهد. في هذا الموقف تبنى العديد قناعات معينة لمجرد انتشارها على السوشال ميديا، قد لا يتبنوها بشخصياتهم الحقيقية. 

 ومن ناحية أخرى أجد تفاعلًا وتضامنًا حقيقيًا لرواد السوشال ميديا مع قضايا إنسانية تحدث في العالم مثل الأحداث في بيروت أو فلسطين أو أفغانستان التي كانت تحدث مؤخرًا. هنا أجد التأثير الإيجابي بنشر الوعي وروح التعاطف مع المتألمين. في حين لم نكن سنتبنى هذه القناعات كجزء من هوياتنا لولا وجود مواقع السوشال ميديا.

لا مكان تملأه المثالية والكمال أكثر من مواقع التواصل الاجتماعي، لا يوجد فيه مكان للخطأ. لذا تمهَّلي كمستخدِمة في اختيار حالاتك وانتقاء عباراتك، فلا تزيدي من هنا وتنقصي من هناك. لا تتفنني في مدح نفسك وإظهار صفاتك الحسنة. في هذه المنصات الجميع يحظى بحياة رائعة، لا فرق بين العالم والجاهل، لا فرق بين أحد. فلا تكوني ممَّن يسعون وراء الكمال. لا تجعلي كثرة التزييف الذي ترينه داخل هذه المواقع يُشعِرك بالدونية حيث ينشر أصدقاؤكِ صورًا ومقالات تدل على مدى سعادتهم، بينما هم يشعرون بغير ذلك. لا تتناسي بأنها مشاعر افتراضية ليس إلا وأن الصورة التي تنشرينها أنتِ أو الآخرون التُقطت قبلها صور أخرى لم تكن في المستوى.

تكشف لنا مواقع  التواصل الاجتماعي جانبًا مخفيًا من شخصياتنا. كما حصل مع رولا، التي تظهر بشخصيتين كل منها مختلفة عن الأخرى، تظهر اجتماعية بينما هي بالواقع انطوائية. على المنوال نفسه قد تظهرين الشخصية الهادئة بينما تكونين في الواقع انفعالية أو عصبية… بسبب السعي المستمر للحصول على شعبية على السوشال ميديا نجد الأشخاص يسيرون وراء التيار يتبعون الترند السائد ليجدوا قبولًا أكبر. حتى لو لم يكن هذا هدفهم، عند انتشار ترند معين نجد نفسنا باللاوعي نفكر ونتصرف مثله. 

تضع السوشال ميديا معايير غير واقعية، سواءٌ من خلال عرضها صور لمشاهير جرى التلاعب بها على الفوتوشوب، أو ما تقدمه من صورٍ لعارضات أزياءٍ بالغات النحافة. أصبح هذا النوع من الصور يملأ صفحاتنا الخاصة على مواقع التواصل، ولذا فمن السهل تصور أن لهذه المواقع دوراً سلبياً للغاية على تصورنا لأشكالنا الخارجية وهيئتنا الجسدية. فقبل تحميل أي صورة على صفحتك تجدين نفسك تعدلين بها وتضيفين تأثيرات معينة، لتصغّر من الأنف أو تكبّر من العيون، أو تعطي لمعة للوجنتين… حتى تريها جيدة كفاية ليتم تحميلها على هذه المواقع التي تفرض معايير خاصة جدًا للجمال.  

لا يمكننا أن ننكر أهمية السوشال ميديا والفائدة التي أضافتها لحياتنا، فأتاحت لنا الفرصة للتواصل مع الآخرين أينما كانوا بدون أي تكلفة وبوقت قصير. بالإضافة إلى التمكّن من الوصول إلى آخر الأخبار في جميع بقاع العالم دون انتظار الجريدة أو قنوات التلفزيون. كما أصبحت وسيلة للشركات لترويج وتسويق منتجاتهم. السوشال ميديا هي بحر للمعرفة، يمكنك الحصول على أي معلومة كما يمكنك مشاركة أي معلومة أيضًا.  إذا أردت ذكر فوائدها سأحتاج لكتابة مقال آخر أيضًا أو مقالين. 

لكن دعوتي لكِ اليوم أن تحمي نفسك من هذه المنصات، فلن أقول لك ألا تستخدميها، وإنما أدعوكِ لاستخدامها بالشكل الصحيح.

إليك بعض النصائح العملية:

وأخيرًا تذكري أنك لست منشورًا أو صورة، فأنت أجمل وأسمى وأعمق من أن تُقارَني بهذا؛ لأنك نتاج يدي الخالق. المعيار المُطلق والأسمى للجمال، وهذا الذي يكسبك القيمة الحقيقية.