أساسيات تقديم النقد البناء واستقباله

باب: تأثيري في الرحلة

الكاتب: فؤاد قاقيش

التاريخ: نوفمبر 20, 2023


من الجمل التي أثَّرت في حياتي كثيرًا هذه الجملة: “سهل تنتقد بس صعب تبني، الهدم بنتهي بمطرقة بس البناء بدو جهد واجتهاد”.

لكي نعي الموضوع جيِّدًا، نحن بحاجة إلى فهم دوافعنا التي تكمن وراء النقد، واسمحي لي عزيزتي أن أضعها في ثلاث نقاط أساسية:

  1. ربما لأننا دائمًا نسعى إلى الأفضل، فعن غير وعي كامل تقومين بانتقاد الآخر ليكون أفضل. 
  2. لأنه بشكل أو بآخر قام بالتأثير علينا بشكل سلبيّ، فكانت هذه هي وسيلة الدفاع التي قُمنا باستخدامها.
  3. وجدنا في الآخر أمرًا مميَّزًا يُشعرنا بالنقص بشكل أو باخر، فكان الأسلوب الذي نحمي به أنفسنا من الشعور بالنقص هو الانتقاد.

تعلَّمي تقديم النَّقد البنّاء 

إنَّ الحقيقة التي أقرَّها علماء النفس الذين أقرّوا مبدأ النقد البنّاء في حدود الإنسانية هي أنَّ الغرض الحقيقيَّ للنقد ليس قهر الآخرين ودفعهم إلى الأرض، بل الصعود بهم والارتقاء معهم إلى أعلى. فهل تعين هذه الحقيقة وأنتِ تقومين بانتقاد الآخرين؟ 

نعم ما أسهل أن يكون النقد هدمًا، وما أصعب أن يكون البناء بحدِّ ذاته كلماتٍ يمكن أن تخرج بسهولة من فمنا وتدمِّر الآخر! لكنَّ حسابها أي التفكير بالآخر هو المفتاح ليكون له نفع وتأثير في الآخرين.

ولا بدَّ من الإشارة هنا إلى أننا عندما ننتقد الآخر علينا استخدام “تقنية الشطيرة” أو “sandwich technique” باللغة الإنجليزية. وهي تقنية يتمُّ فيها وضع محتوى النقد المراد إيصاله بين عبارتين إيجابيَّتين، تمامًا كما حال اللَّحم الذي يوضَع بين قطعتي الخبز في الشطيرة. على سبيل المثال، يمكن أن يأتي النقد البنّاء في شكل عبارة كالتالي: “أقدِّر لك حقًّا مدى اجتهادك في العمل وسرعة إنجازه. لكنني أعتقد أنَّكِ يجب أن تكون أكثر حذرًا، فقد نسيتَ أن ترسل لي الملفَّ المطلوب مع البريد الإلكتروني، وارتكبتَ بعض الأخطاء في عملية جمع البيانات، ولكن بشكل عامٍّ، شكرًا لك على جهودك.”

في الكتاب المقدس تخبرنا كلمة الله عن هذا الأمر بشكل رائع في رسالة الرسول بولس الأولى إلى أهل تسالونيكي حيث يطلب الرسول من الكنيسة: “وَنَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ: أَنْذِرُوا الَّذِينَ بِلاَ تَرْتِيبٍ. شَجِّعُوا صِغَارَ النُّفُوسِ. أَسْنِدُوا الضُّعَفَاءَ. تَأَنَّوْا عَلَى الْجَمِيعِ.” (1 تس 5: 14)

ونجد هنا عدة أمور هي بمنزلة مفاتيح لفهم كيف نقدِّم النَّقد البنّاء ونساعد الآخر: 

  1.  أنذروا الذين بلا ترتيب: وهنا نجد حقيقة وصية واضحة لمساعدة كلّ مَن هو بحاجة من خلال لغة لطيفة تعبِّر عن النقد البناء، وهي أنذروا حتى لو كانت طريقة الإنذار حازمة، فهذا هدفه الخير لهم وللكنيسة، والتعبير عن الدعوة التي لنا في حياة الآخرين. 
  2. شجِّعوا صغار النفوس: هؤلاء الذين في حاجة إلى مناشدة مستمرَّة وتشجيع؛ لكي ينهضوا فوق صعوباتهم، ويعيشوا للرب بثبات. النقد ليس فقط أن أخبر الآخر بسلبيّاته بل أيضًا أن أجد ما هو إيجابيٌّ وصحيٌّ في حياته وكيف يطوِّر من إمكاناته ليعالج المشكلة التي لديه.
  3. أسندوا الضعفاء: وهذا يحوِّل النقد من هدم إلى سند وبناء. 
  4. تأنّوا على الجميع: أي أظهروا فضيلة الاحتمال بالنعمة عندما يميل الآخرون إلى الإزعاج والاستفزاز.

نجد هذه الصفات الأربع تساعدنا على فهم ماهية التعامل مع الآخر واستخدامها في النقد بشكل أساسيٍّ. والتَّحدّي هو كيف نحوِّل شخصيّاتنا من شخصيات ترفض النقد إلى شخصيات تتعامَل معه وتتقبَّله. 

تعلَّمي استقبال النقد البناء 

ونأتي الآن إلى مفهوم تقبُّل النقد من الآخرين. ويمكن الوصول إلى هذه المرحلة من الوعي من خلال مجموعة من الأساسيّات التي لا يمكن التخلي عنها: 

  1. استمعي بصدق إلى نية الناقد

كثير من الناس يتَّخذون موقفًا دفاعيًّا لمجرَّد احتمال وجود ردود فعل سلبيَّة. عندما تكونين على وشك تلقي أيَّ نوع من التعليقات، تعامَلي مع الموقف بعقل متفتِّح؛ حتى تتمكَّني من فهم الفرق.

  1. حدِّدي ما إذا كانت التعليقات بنّاءة أم هدّامة

فكِّري فيما إذا كانت التعليقات تأتي من شخص يهتمُّ لأمرك، ونقده يشير إلى مجال تريدين تحسينه. انتبهي إلى طريقة تحسينه أو تطويره، أو إن كان ينتقدك لمجرَّد النقد. فقد ينتقد بعض الناس الآخرين لتدعيم شعورهم بالسلطة، وستتمكَّنين عادة من التعرف على هذا إذا كان النقد لا أساس له، على سبيل المثال: شخص ينتقد نشاطًا أنتِ فعلته بدون وجوده كجزء منه أو وجود مبرِّرات منطقية لنقده.

  1. تجنَّبي ردود أفعالك المتهوِّرة في مواجهة النقد البناء

لو كان النقد واضحًا لئيمًا، فهذا لا يعني التعامل بتهوُّر. فهناك طرق هادئة لطلب التوضيح، ومعظم الانتقادات سيئة النية سوف تنكسر.

  1. الإصغاء بقصد الفهم

 احرصي على الإصغاء الكامل لكلمات المتحدِّث ولغة جسده. فهذا يساعد كثيرًا في الابتعاد عن التفكير في ذاتك وكيف تدافعين عن نفسك قبل الإنصات. 

  1.  ابقي هادئة ولا تستقبلي الأمر بصفة شخصية.
  2.   قومي بالفهم والسؤال عن الأمر جيِّدًا، واطلبي توضيح النقاط التي لم تفهميها.
  3.   امنحي نفسك بعض الوقت ولا تتسرَّعي عند الإجابة.
  4.   قومي بمناقشة المتحدِّث بما لديكِ من معلومات. ولا مشكلة في الدفاع عن نفسك بهدوء إذا كنتِ تمتلكين الحقَّ، أو بالاعتراف بالخطأ والالتزام بسرعة إصلاحه. فالاعتراف بالخطأ سوف يختصر الوقت الكثير عليك بدلًا من المقاومة.

 هناك كلمتان محوريَّتان في كلمة الله ونراهما في يسوع القائد كذلك، وهما المفتاحان لتقديم النقد واستقباله، هما: التَّواضع والوداعة. 

فالتواضع يعلِّمكِ الانتقاد بهدف بناء الآخر بكل حبٍّ لما فيه خيره ونموُّه. والوداعة تعلِّمكِ تقبُّلَ ما سمعتِ بكلِّ روح تعلُّم لكلِّ معلومة فيها فائدة وخير، فالوداعة تعطيكِ الحكمة لتأخذي ما هو خير لكِ من كلِّ نقدٍ يقدِّمه الآخرون. فيمكنك أن تجيبي سؤالك: كيف أكون شهادة؟ 

المراجع: 

وليم ماكدونالد ، تفسير الكتاب المقدس

عبد، علاء .( أغسطس 11, 2020). النقد البناء ونظيره الهدام. هكذا تفرق بينهما!. جريدة الغد ، عمان – الاردن.

Transform Yourself, Your Team, and Your Approach to Leadership – by Matthew A Overlund

#بناء #دعوة #شهادة #قيادة #نقد