موضوعات أخرى

لا يشفي من لا يُدرِك مرضَه

موقف القلب
لا يشفي من لا يُدرِك مرضَه
بقلم : قيس شمَّاس

لقد استحوذ يهوذا الاسخريوطيُّ مؤخَّرًا على مساحة كبيرة من فكري ومن تأمُّلي، حتى أنِّي اعتدْتُ على هذه الشَّخصيّة وأحببتُها... أحبَبْتُه فعلًا!

رأيتُ فيه شخصًا أراد أن يكون مُخلِصًا، لكنَّه فقد توازنه حتى أنَّه طعن ظهر أكثر النَّاس براءة ومحبَّة. رأيتُ فيه شخصًا أراد أن يكون ذا تأثير قويٍّ، وربما كان يحلم في بداية خدمته أن يُقدِّم الكثير لشعب الله، لكنَّه لربما فَتُرَ وأغراه المال كما أغرى غيره فأضاع الطَّريق دون رجعة. رأيتُ فيه ذلك الشَّخص الخائف من أن لا يكون له نصيب في الدُّنيا، فأراد أن يقتَصَّ نصيبًا له مهما كان الثَّمَن. رأيت فيه ضميرًا معذَّبًا، وفِكرًا نجسًا، ونفسيَّة مريضة؛ فمع أنَّه مشى مع طبيب النُّفوس كلِّها إلَّا أنَّه لم يُشفَ. لقد عرفَ يسوع بالسَّرطان الأسود في قلب يهوذا، لقد علِمَ يسوع أنَّ صِنفًا من شوك الشَّيطان نبت في فكره وقلبه، لكنَّ الغريب في الأمر أنَّه رغم كونه تلميذَه إلَّا أنَّه لم يشْفِه، لا بل لم يحاورْه... لستُ أعرف لماذا؟

لقد حاور يسوع بطرس وشفاه من الكثير، وحاور متَّى وشفاه من الكثير، أمَّا يهوذا، فلا نقرأ في أيٍّ من الأناجيل أنَّه دار بينهم حوار على انفراد حتَّى يوم عشائهم الأخير. ولا في مرة واحدة نقرأ أنَّ يسوع واجه يهوذا وأنذره عن شرٍّ، أو أصلح فيه فِكرًا أو موقفًا. هل كان يسوع غيرَ قادر على مساعدة الإسخريوطيِّ، أم هل كان يهوذا مُكتفيًا في أن يكون أحد أتباع يسوع المُقَرَّبين لكن دون أن يكون مُنفتحًا وقابِلًا للتَّغيير؟ لستُ أدري. لكنَّني أدري أنَّ يهوذا ليس شيطانًا، هو إنسان مثلي، بل ربما أنَّني أشابهه أكثر ممَّا أريد أن أعترفَ أمامَكم وأمامَ نفسي.

لكنَّ قصَّة يهوذا في الحقيقة علَّمتني شيئًا لا عن يهوذا فقط، بل علَّمَتني شيئًا جديدًا عن يسوع: يسوع لا يشفي مَن لا يُدرِك مرضَه، ولا يشفي من لا يهتمُّ بنفسه، ولا يشفي من لا يركض وراء شفائه. وتعلَّمتُ أنَّ معرفةَ النَّفس وإدراكَ كلَّ القذارات في قلبي، وإدراكَ فقري الشَّديد ليسوع وما يقدِّمه هي أوَّل خطوة في الرُّوحانيَّة الَّتي يطلبها المسيح منَّا. يومَ لمَعَت هذه الفكرة بين سطور هذه القصَّة السَّوداء، رأيتُ خطأ يهوذا بوضوح، ورأيتُ المعنى العجيب في صَمْتِ يسوع.

إضافة تعليق
بريد ألكتروني