موضوعات أخرى

أيَّتها الأمُّ

معرفة العقل
أيَّتها الأمُّ
بقلم : رجاء

تفصِلُنا أيَّامٌ عن عيد الأمِّ، ويبدأ الكلام الجميل، والهدايا، وصور الأولاد مع أمَّهاتهم تنتشر عبر وسائل التَّواصل الاجتماعيِّ، والاجتماعات العائليَّة احتفالًا بهذا اليوم. رسالتي اليوم مختلفة، ليس من باب المضمون ولكن من باب المسؤوليَّة الواقعة على عاتِقِك.

 

فأنتِ لستِ مجرَّد مَن تُرَبِّي وتُحَضِّر الطَّعام، وتُدَرِّس الأولاد، بل أنتِ أكثر من ذلك بكثير. هل تعلمين أنَّ أكثر المشاكل النَّفسيَّة سببُها تنشئة الطِّفل في بيته، وكم من عُقَدٍ نفسيَّةٍ بقيَت معه أو معها، فصارَ رجلًا أو صارت فتاةً، وهي لا تزال ترافقهما. ففي علم النَّفس، "اعتبرَ إريكسون أنَّ المراحل الأربع الأولى (من سنِّ الوِلادة إلى 11 سنة تقريبًا) هي بمنزلةِ حجر الأساس لباقي مراحل العمر. إذ أنَّ مُعظم المشاكل النَّفسيَّة غالبًا ما تتأسَّسُ في شخصيَّة الطِّفل قبل بلوغِه سنَّ المُراهَقة أو الشَّباب."

 

فلا تستهيني بتربيتك، فأيُّ تصرُّفٍ تقومين به له آثر كبير في حياة طفك؛ كأن تقومي بتمييزِ أخٍ عن أخٍ، أو تنعتيهم بألقابٍ، أو تطلقي عليهم الشَّتائم، أو حتَّى تضربيهم من غيرِ سبب أو دون تعليمِهم لسببِ الضَّرب. بالإضافةِ إلى كيفيَّة معاملتِك للكبار؛ كمجاملة شخص تمَّ التَّحدُّث عنه من وراء ظهره، أو أن تقولي إنَّك لستِ موجودة في المنزل، وأنتِ فعليًّا في المنزل. ولربما أنَّك في غضبٍ دائٍم من والدهم، ولا تبدين له الاحترام، إنَّما تشوِّهين أمامهم نموذجَ الأب، والَّذي هو أحد أسباب المثليَّة الجِنسيَّة، فاحذَري! وهناك أيضًا قولُ أنصاف الحقائق، ومحبَّة وإكرام الغريب أكثر منهم؛ فيكبرون راغبين بامتلاكِ كلِّ شيءٍ لأنفسهم خوفًا من مشاركته مع غريبٍ، أو النَّقيض الآخر في أن يُصبح شخصًا مُفَضِّلًا للآخرين دائمًا عن نفسه من بابِ شعوره بعدمِ الاستِحقاق؛ شخصًا ضعيفًا مسلوبَ الحَقِّ، وأمثلة أخرى كثيرة لا حصرَ لها.

*نُحِبُّ أن تشاركونا بأمثلةٍ من واقعِ حياتِكم، عن طريق إضافةِ تعليقٍ في نهايةِ المقال لنستفيدَ من خِبرات بعضنا البعض.

 

أيَّتُها الأمُّ، أرجوكِ ومن ثم أرجوكِ: لا تطبِّقي جميع أساليب تربيك على أبنائك، وتقولي: "أنا هيك اتربِّيت" بل افحصي الأسلوبَ الَّذي نشأتِ عليه، وتحدِّي نفسَكِ بقراءة كتب التَّربية الحديثة.

كوني لهم مصدرَ الإلهام بتعلُّمِكِ المُستَمِرِّ معهم، فيحقِّقون مُستقبَلًا أعلى مراتب العِلم المَنهَجِيِّ والحَيَاتِيِّ.

كوني المرأة اللَّبِقة في الكلام، والتَّصرُّف، والجلوس، والأكل، واحترام مَن هم أكبر منكِ سِنًّا. كوني مثالَهم في التَّصرُّف؛ فأنتِ مرآتُهم.

كوني الصَّادقة الحنونة الَّتي تعبِّر عمَّا بداخلها أوَّلًا بأوَّل، فلا يُترَكُ مجالٌ للمرارة والحِقد في داخلك؛ لأنَّ الأطفال هم ملوكُ تمييزِ الصِّدق، فيستمرُّون على خُطاكِ في عالمٍ مليءٍ بالكذبِ والنِّفاق.

كوني مُحِبَّةً لأبيهم، وعبِّري عمَّا في داخلِك ومدى تعبك بصوتٍ هادئ؛ ليرَوا مثالًا للحوار والتَّعبير عن مشاعرهم أوَّلًا بأوَّل.

كوني لهم أوَّلًا ثُمَّ للنَّاس ثانيًا، ففي نهاية المطاف هم الوحيدون الَّذين يبقون لكِ.

كوني الصَّديقة الوفيَّة المُخلِصَةَ لصديقتِكِ، ليتعلَّموا أهميَّة وجود رفيق في الحياة يُخَفِّفُ عنه أعباءَها.

كوني صاحبةَ مبدَأ، مؤثِّرةً يصنع وجودكِ فرقًا حيثما كُنتِ. فيكونُ أيضًا أبناؤكِ أشخاصًا مُهِمِّين، أصحابَ مبادئَ واضحة وأخلاقٍ عالية، مؤثِّرين في عالمٍ يحتاجُ إلى قُدوةٍ في الأخلاقيَّات.

كوني الأمَّ والصَّديقةَ لهم؛ ليعبِّروا عمَّا يحدث معهم أو يتعرَّضون له دونَ عِقابٍ أو صُراخٍ؛ فيَسِرُّون لكِ طوال الوقت. وفي حال -لا سمحَ الله- تعرَّضوا يومًا لأيِّ نوعٍ من الإساءات؛ النَّفسيَّة، أو الجسديَّة، أو الجنسِيَّة ــ يُخبرونك بذلكَ فورًا؛ لثقتهم فيكِ وبقدرتِك على الإصغاء إلى ندائِهم.

وفوق الكُلِّ؛ كوني في علاقةٍ حيَّةٍ معَ خالِقِك ومُخَلِّصِك. كوني المُصَلِّية التي تُلقي همومَها وأعباءَها عليه، واسمحي لهم برؤيتِك تتغيَّرين دائمًا في حضرَتِهِ، لتُصبحي أفضلَ، وتُحَقِّقي هدفَكِ في هذه الحياة، ولتعلَمي أنَّ حياتَكِ معَ إلهك هي أعظمُ درسٍ يتعلَّمونه منكِ، وأغلى إرثٍ تتركينَه لهم.

 

كوني أُمًّا بكُلِّ ما تحمِلُهُ هذه الكلمةُ من معنى!

 

 

الوالِديَّة الإيجابيَّة / اللُّغة السَّلبيَّة مقابل الإيجابيَّة

إضافة تعليق
بريد ألكتروني