موضوعات أخرى

جهلٌ فوقَ جَهلٍ

معرفة العقل
جهلٌ فوقَ جَهلٍ
بقلم: قيس شماس

الإنسان الجاهلُ يعتقد أنه يرى الحقيقة كلَّها، لأنَّ مُشكلَةَ الجهلِ تكمُنُ فيما تُنتِجُهُ من جَهلٌ فوقَ جَهلٍ؛ بمعنى أنَّ الإنسانَ الجاهلَ لا يعلَمُ مدى جهلِه لأنَّه لم يُعَرِّضْ نفسَه لما هو أبعَدُ من حدودِ آفاقِه، ولم يحاولْ أن يرى الكمَّ الهائلَ منَ المعرفةِ التي لا يملِكُها. فالجاهل لا يعرِفُ إلَّا ما يعرِفُهُ هو، وبسبب محدودِيَّةِ معرفتِه يظنُّ أنه هو مَن يعرفُ كُلَّ المعرفةِ الَّتي يحتاجُ إليها الإنسان.

 

هذهِ هي المأساةُ الكفيلةُ بأن تصنعَ من الجاهلِ -الَّذي لا يعرفُ إلَّا القليلَ- إنسانًا يرفض العِلمَ ويرفضُ توسيعَ مدارِكِه، لأنَّه يعتقد أنه يرى الحقيقةَ كُلَّها كاملةً، وهذه هي قِمَّةُ الكِبرياءِ. لكنَّ المأساةَ العُظمى أنَّ هذا الكبرياءَ الَّذي يبعثُ في الإنسانِ عِزَّةَ النَّفسِ وبالتَّالي يبني لديهِ الشُّعورَ بالقيمةِ والأهمِّيَّةِ هو في الحقيقةِ مبنِيٌّ على الجهلِ، ويستمِدُّ وجودَهُ منْ هذا الجهلِ.

لذلكَ تجدُ الإنسانَ المتكبِّرَ على جَهلٍ يسعى بشراسَةٍ إلى المُحافظةِ على جهلِهِ هذا، فهوَ في هذه الحالةِ يستمِدُّ قيمتَه من الوَهمِ الَّذي يقول له إنَّه يفهَمُ ويُدرِكُ كُلَّ الأشياءِ، بينما هو في الحقيقةِ لا يعلَمُ إلَّا القليلَ عن القليلِ. وأيُّ شيءٍ يُهَدِّدُ هذا المُعتَقَدَ -أنَّه عارِفٌ ومتأكِّدٌ مِنْ معرفَتِهِ- هو في الحقيقةِ يُهَدِّدُ شعورَه بالقيمةِ. وهنا يُصبحُ الإنسانُ يعتمدُ اعتمادًا جوهريًّا على جهلِهِ، وتتكوَّنُ علاقةٌ بينَ الإنسانِ والجهلِ كعلاقةِ الرَّضيعِ بأُمِّهِ.

 

والإنسانُ ههُنا يغدو رافِضًا للمعرفَةِ وحتَّى إلى التَّعَرُّضِ لها، لأنَّ المعرفةَ تكشِفُ الجهلَ وتفضَحُه، فالمتكبِّرُ الجاهلُ يُحِبُّ جهلَه؛ لأنَّ اللَّحظةَ الَّتي يفقِدُ فيها جهلَه هي اللَّحظةُ عينُها الَّتي يفقِدُ فيها قيمَتَهُ في عينَيهِ، ما لم يتَّضِع حينَها ويقبَلْ أن يتحدَّى جهلَهُ بالعِلْمِ الكاشِفِ والحَقِّ المُحَرِّرِ الذي يمنَحُ القيمةَ الحقيقيَّةَ، ويُعطي الكيانَ أهمِّيَّتَهُ بالمنظورِ الصَّحيحِ!

إضافة تعليق
بريد ألكتروني