موضوعات أخرى

لماذا نُعيدُ الماضِيَ؟

معرفة العقل
لماذا نُعيدُ الماضِيَ؟
مُتَرْجَمٌ

بعض الناس لديهم نزعة شديدة، وميلٌ غريبٌ إلى تكرار بعض التَّجارب المؤلِمَة التي في حياتهم، كأنْ يتعرَّضَ أحدٌ إلى خِبرة سيِّئة، فيقومُ ويحاولُ بعدها تهيئةَ كلِّ الظروفِ، والأحداثِ، والأشخاصِ (أنفسهم أو أمثالِهِم)، فيكرِّرُ نفسَ الخبرة السَّيِّئة مرَّة أخرى. كحال إحداهنَّ مَن تمَّ الاعتداء عليها جنسيًّا وهي صغيرة، فتكبر ويتحوَّل سلوكُها إلى سلوكِ فتاةٍ تبحثُ عن مَن ينتهكُها جنسيًّا، أو تعمل كفتاةِ ليلٍ وتَتَفَنَّنُ في بَيع نفسِها وجسمِها. أو لربما يكون شخصًا قد تعرَّضَ إلى الظُّلمِ، والإهانةِ، والمُعاملة القاسية، تجده بعد فترة يبحثُ عمَّن يظلمه ويعامله بقسوةٍ ويذهبُ إليه.

أمّا تكرار نفس الظروف والأحداث، فإنه يُدعى في علم النَّفس بالتَّكرار القهرِيِّ، وله أربعة أسباب:

  1. يميل الشَّخص الى إعادة سيناريو نفس الأحداثِ القديمة بكلِّ تفاصيلِها، وأدوارِها، وظروفِها من أجل أن يُنهيَها بطريقة مختلِفة غير التي انتهَت عليها من قبل، كإعادةِ مشهدٍ صعبٍ في حياته ليس محلولًا في داخله، يُعيد صُنْعَه وتركيبَه كلَّما أُتيحَت له الفُرصة مع شخصٍ أو أشخاصٍ جُددٍ يُلبسهم الأدوارَ القديمة (أو حتى نفس الأشخاص) من أجل أن يَحلَّ معَهم ما لم يستطِعْ حلَّه من قبل، وينتهي بنهايةٍ جديدةٍ، وسعيدةٍ، ومُريحةٍ بدلًا من النِّهاية البائِسَة السَّابِقَة.
  2. يكون الشَّخص في تجاربه المؤلمة الأولى ضعيفًا ومُضطّرًّا، ولا يوجد في يده حيلة، فكُلُّ شيءٍ حصل له مُرغَمًا بصورة قسرِيَّةٍ، وبغير إرادتِه، وشعرَ وقتَها بالذُّلِّ، والانكسارِ، والإهانة... إلى أن يأتيَ وقتٌ يعمل فيه كلَّ شيءٍ مرَّة أخرى بكل حذافيرِ الأمور وتفاصيلاتِها، ولكن هذه المرَّة بمزاجِهِ وإرادتِهِ وكاملِ وعيِه. فيبقى الأمرُ هذه المرَّة في يدِه، وليسَ في يد غيره، فيشعُرُ -ولو بإحساسٍ مزَيَّفٍ- أنَّ له السَّيطرة على الأمور، وبيدِه التَّحكُّمُ في الأحداث.
  3. يكون الشَّخص فيما حصل له قبلًا بمنزلةِ الضّحِيَّةِ، مُستسلِمًا، مغلُوبًا على أمره، فيعودُ هذه المرَّة لينتقِمَ لنفسه. فيرجِع بشريط حياته إلى الوراء، ويُكَرِّرُ نفسَ التَّجربة معَ نفسِ الشَّخص (أو شخصٍ جديدٍ)، لكنَّه في هذه المرَّةِ يكونُ الجانيَ، فيأخُذُ بِثَأْرِه.
  4. كثيرٌ ممَّن يتعرَّضون إلى تجاربَ، وخبراتٍ مؤذِيةٍ وقاسيةٍ في حياتهم يشعرونَ بالذَّنبِ أنَّهم لم يدافعوا عن أنفُسِهِم، أو يتَّهمون أنفسَهم بأنَّهم هم أنفُسُهُم السَّببُ فيما حصل معهم، أو أنه لربّما ساعدَ الطَّرفَ الآخرَ لكي يُؤذِيَه. هذا هو ما يحصلُ غالبًا معَ ضحايا التَّحَرُّشِ والاغتصابِ؛ بِفعل عواملَ نفسيَّةٍ، ومُجتمَعِيَّةٍ، وثقافِيَّة، فيبدأُ الواحِدُ فيهم بالانتقامِ من نفسه، وتعذيبِها، وجلْدِها، بتكرارِ نفسِ الأحداثِ، واستدعاءِ نفسِ الأذى، واستِعذابِ نفسِ الأَلَمِ.