موضوعات أخرى

أوَّل سنة

حكايات من الشارع
أوَّل سنة
بقلم: أناستازيا

في شتائها الماضي، كان العيد قاسيًا وشديد البرودة والحزن، فيه رحل العزيز، مكانه في غرفة الجلوس فارغ، لا أحد يحاول الجلوس على كرسيِّه المفضَّل؛ فالجميع ما زال يتصرَّف وكأنَّه ما زال بينهم لكنَّه في سفر بعيد، وهم في انتظار عودته! وكما يعتقد النَّاس، إنَّ أوَّل سنة بعد فقدان عزيز صعبة جدًّا؛ ولهذا كثُر المُعَزُّون في موسم العيد في السَّنة الأولى للفقدان، وكان الكلُّ يقومون بواجب المواساة. لكن في هذه السَّنة، انشغل النَّاس في الحياة، فكانت لأهل بيت الفقيد هي الأصعب؛ فهم غير مُستَعِدِّين بعد لتجاوز فقدانه وغير قادرين على المضيِّ في الحياة واستقبال العيد، فكأنَّ الحزن رمى بشباكه عليهم وسحَبهم إلى عمقه المُظلم ففقدوا نبضَ الحياة، ولم تعُد أيُّ كلمات عزاء كافية لنشلِهم من هذا الحزن!

 

كانت تقاوم كلَّ حزن، تنفرد كعادتها في وقتها الصَّباحي وتمارس القراءة اليوميَّة في الكتاب المقدَّس، فيستوقفها النَّص في إنجيل مرقس الَّذي خاطبها، قال لها: يا صبيَّة، لكِ أقول قومي! بالنِّسبة إليها، لم يبدُ بأنَّ يسوع يقول فقط لابنة يايرس: قومي! إنَّما بدا لها بأنَّ صاحبَ عيد الميلاد بذاته يمدُّ يدَيه لها في لحظة قراءتها، ويقول لها: يا صبيَّة، لكِ أنتِ أقول قومي من الموت! وكأنَّ الحزن الشَّديد الَّذي أحاطَت نفسها به جعل منها شخصًا ميتًا. وللوقت شجَّعَتها قوَّة في نفسها، وعرَفَت بأنَّ يسوعَ -واهبَ الحياة- يطلب منها أن تأخذ قرارًا بأن تفرح به، وتنهض من عُمق الحزن المُظلم، وتُحييَ عيدَ الميلاد لأهل بيتها بنفس القوَّة الَّتي أقامَت ابنة يايرس من الموت!

 

وبهذا تأخذ الدَّور الَّذي كان عزيزهم يُبادِر به موسمَ عيد الميلاد؛ إذ يضع شجرة الميلاد البلاستيكيَّة ويُعَلِّق النَّجمة عليها. لكنَّ حاجتها وأهل بيتها إلى التَّعزية الحقيقيَّة والبدء من جديد جعلتها تُبادر هي أيضًا، بل تتجاوز التَّقليد -الَّذي كان عزيزهم يبدأ به موسمَ الميلاد- بأن تُدخِل هيه نفسها أمرًا جديدًا. فكما بدا لها حقيقيًّا بأنَّ صاحب الميلاد قد دعاها للنُّهوض من حُزنها، راحَت وأدخَلَت إلى البيت شجرةَ سرو خضراء طبيعيَّة موضوعة في أصيصِها؛ بجذورها وساقها وأوراقها ذات رائحة حقيقيَّة. وما إن رأى أهل البيت الشَّجَرة، إلَّا وقاموا جميعًا بحماسٍ وابتِهاج وابتدَؤوا بتزيين الشَّجرة معًا، إلَّا أنَّه لم يضَع أحدهم النَّجمَة؛ فقد كان رأس الشَّجرة بشكله الطَّبيعيِّ يُشبه نجمة الميلاد!

 

إضافة تعليق
بريد ألكتروني