موضوعات أخرى

مثل الياسمين

حكايات من الشارع
مثل الياسمين
بقلم : أناستازيا

هما صديقتان منذ أيَّام الطُّفولة، كانتا جارتَين في الحَيِّ، أمضَيا ذكرياتهما معًا؛ السَّعيدة منها والحزينة، تزوَّجَتا وأنجَبَتا الأطفال، وكبر الأطفال وانطلقَ كلٌّ إلى سبيله، وهما ما تزالان صديقَتَين. وحدث بأنَّ زوجَيهما قد أصابهما مرض وتوفِّيا، إحداهما حزِنَت حتَّى الموت، والأخرى رفَعَت رجاءها إلى ربِّ السَّماء، وقالت: لتكن مشيئَتُك، قد وقف الرَّبُّ معنا طوال حياتنا وبارَكَنا بالكثير، ولم نقدِّم له غير الشُّكر، وعند الشِّدَّة والحزن، أفلا يكون هو رجاؤنا أيضًا؟ وقرَّرَت أن تكون في الظُّلمة مثل الياسمين الَّذي حتى وإن انقطع الماء يبقى ليِّنًا أخضر.

 

تشارَكَتا غرفة المشفى ساعة ولادتهما الَّتي تعَسَّرَت، ممَّا أفقد الأولى القدرة على تحريك أطرافها الأربعة، أمَّا الأخرى، فقد أصابَها -وبعد سنوات- مرض عُضال نتج عنه استِئصال ورم في الدِّماغ أفقَدَها القدرة على الإبصار. كان للأولى أمٌّ لا تعرِف الاستسلام، تؤمن بالخير الدَّائم من الله؛ فهي تنظر إلى الولادة بأنَّها معجزة إلهيَّة، وأنَّ ابنتها كما هي هديَّة من ربِّ السَّماء، وواجبها أن تبحثَ حول كلِّ ما هو متوفِّر لتُساعد فتاتَها على الاعتماد على نفسِها وشقِّ طريقِها في الحياة. وهكذا كان لها؛ فبعد أن أمضَت ابنتُها سنوات عديدة في العلاج الطَّبيعي لتتمكَّن من استخدام أطرافها، تمكَّنَت من الحصول على تعليمها وتميَّزَت بأن تكون متفوِّقة دائمًا. كبرت وبعد الكثير من التَّعَب والدِّراسة، أصبَحَت المسؤولة الأولى عن ذوي الاحتياجات الخاصَّة في بلدَتها؛ لتُصبح سيِّدة مميَّزَة في تقديم المساعدة لمَن أمامهم طريق مماثل للطَّريق الَّذي شقَّته بشجاعة، وإصرار، وإيمان منها ومن والِدتها، فغدَت ابنَتُها مثل الياسمين الَّذي يفوح عطره ويشتدُّ عند اشتداد حرارة الطَّقس.

أما الأخرى، فوالِدتُها تؤمن بالقضاء والقدَر، وأنَّه لا يمكنها فعل شيء من طرفها إلَّا أن تتقبَّل وضع ابنتها وترضى بأنَّ هذا اختبار الله لها لنجاتها ونجاة ابنتها وعليها حمل هذا المُصاب ـــ وهذا أكثر بلاء من ذاك. كانت تصلِّي نهارًا وليلًا للشِّفاء، ولكن لا مُجيب. تطلب تشفُّعات وتصرف الكثير لردِّ القضاء. تؤمن -إن شاء الله- أن تستطيع ابنتها الإبصار مرَّة أخرى فإنَّ الله قادر على ذلك، ولكن دون جدوى. قدَّم لها الكثير من الأصدقاء النَّصائحَ والمساعدات لتتمكَّن فتاتها من التَّعلُّم، لكنَّ خوفها بما لا تدري جعلها ترفض الكلَّ، ليكون مصيرالفتاة أن تبقى جليسةَ البيت بانتظار معجزة ما!

كلاهما تخرَّجَتا من أفضل الجامعات الأكاديميَّة، الأولى تخرَّجت بامتياز، أمَّا الأخرى فقط تخرَّجَت بنجاح! كانت الأولى تحِبُّ المنافسة دائمًا وسبَّاقة في الخطوات التَّالية قبل الجميع، فهي تعلم بأنَّه يتوجَّب عليها الآن وبعد التَّخرُّج الزَّواج، وسيكون هدفها من العمل هو التَّعارف، وإن لم تتمكَّن من ذلك، فالأفضل أن تُغيِّر العمل، فهذا الأمر عاجل الأهمِّيَّة لها لإرضاء والدَتِها الَّتي دائمًا تتباهى بها أمام الأقارب والأصدقاء. وبالفعل هذا ما تمَّ لها، وحيث أنَّ الخطوة التَّالية بعد الزَّواج هي إنجاب الأطفال، فقد أنعم الله عليها بفتاة، ولكن يجب أن تُنجِب ولدًا أيضًا -كما تقول والدتها- وظلَّت تحاول بشتَّى الطُّرق، وأخيرًا حصَلَت عليه. وحيث أنَّ متطلَّبات الزَّوج والأطفال وأمِّها والمجتمع ثقيلة، لم تتمكَّن من العمل خارج البيت، أو حتَّى أن تُضيف إلى تعليمِها الأكاديمِيِّ أيَّ جديد، أو حتَّى أن تجد أمرًا ما يستهويها ليكون ملاذًا لها!

أمَّا الأخرى، فكانت تحلم خلال دراستها بواقع أفضل لها ولغيرها، فالشَّهادة الأكاديمية لم تكُن إلَّا الخطوة الأولى للانطلاق نحو الحياة الأفضل. ورغم أنَّها لم تملك خطَّة واضحة حول كيفيَّة عمل ذلك، لكنَّها كانت تعلَم بأنَّ ما تعلَّمَته أكاديميًّا لا يكفي؛ فهو مفيدٌ إلى حدٍّ ما، ولكنَّها تحتاج أن تدعمه باللخِبرة العمَليَّة، فسارَعَت تبحث عن عمل هنا وهناك ولم تجِد. فبادَرَت مع أصحاب العمل بأن تكون متدرِّبة فقط وألَّ اتتقاضى أيَّ أجر، وبعدها تمكَّنَت من إيجاد عمل وبأجر. واجهَت الكثير من الصُّعوبات، ولكن دائمًا كان هنالك منفذ من كلِّ صَعب، إلى أن تمكَّنَت أخيرًا من إنشاء مؤسَّسَة خاصَّة بها أوجدَت من خلالِها الكثير من فرص العمل لغيرها. فخلال جهدها لتحقيق حلمها أزهَرَت وأوجَدَت لغيرها اللَّاموجود، تمامًا مثل الياسمين الَّذي يُزهر أزهارًا شديدة البياض لدرجة التَّوهُّج حتَّى خلال الظَّلام.

 

إضافة تعليق
بريد ألكتروني