موضوعات أخرى

هل برودة المسافات حوَّلَتْه عنها؟

حكايات من الشارع
هل برودة المسافات حوَّلَتْه عنها؟
بقلم : امرأة عربية

ها هي قد رجَعَت إلى أرضها لتبدأ عملها الجديد، كانت في عدَّة دول لعِدَّة سنوات طمَعًا بالاستكشاف ومعرفة الجديد، لكنَّ إصرار الأهل على عودتها -خوفًا من أن يفوتها قطار الارتباط- جعلَها تعود.

تستيقظ قبل الشَّمس، لأنَّها تعرف شعورًا يصاحبه السَّلام في ذلك الوقت من اليوم، حتَّى أنَّها أطلقت عليها ساعة الاستجابة السَّماويَّة، فيها تركع وتصلِّي٫ ومن ثمَّ تدعو العليَّ بالبركات للأهل ولها، ومن بعدها تصمُت وتحني رأسها وتبدأ بالدُّعاء.

قبل سفرها بأشهر طلبَت منه الأمر المُعتاد بعد تعارفهما لسنوات، كان جارَها في الحَيِّ وكان من نفس أرضها، أعلَمَها بأنَّه يحتاج إلى المزيد من الوقت ليوفِّر حياة تليق بها، طلبَت منه حاليًّا أن تكون رفيقته في السَّرَّاء والضَّرَّاء، لكنَّه احتفظ بالرَّدِّ لنفسه، وصمتَ كلاهما لفترات خافَت خلالها من فقدانه، ولكن -ولكسر الجمود- عادَت لتصرفَ عليه وقتها وأحلامها.

بين الحين والآخر في موطنها تفتقده، ترسل إليه رسائل نصِّيَّة قصيرة بكلمات التَّحيَّات الصَّباحيَّة الَّتي يُرافقها الكثير من مشاعر الاشتياق والأمل. كان يُبادلها الرَّدَّ، وفي بعض الأحيان يلفظ بالحُبِّ لها، وتختار هي أن تكون حبيبة له إلى أن يشاء الله ويجمعهما معًا.

واجهَتِ الصَّعب من الأيام، فتملَّكتها الشَّجاعة بسؤاله: "عزيزي، هل كنتَ فعلًا تعني أنَّني حبيبَتُك كما قُلتَها لي الأيَّام السَّابقة أم أنَّه كلام فقط!" كانت إجابته: "كنتُ أعني كلَيهما! وأكمل نصَّه دون توقُّف، لستُ جاهزًا لأيِّ علاقات حاليًّا، أريد أن أركِّز على نفسي!" عيناها تكلَّمتا بالدُّموع، ولكن لم تستَطِع إيصالَ كلامها له، فحُسب لها ردُّها بالسُّكوت. بعد أيَّام من التَّفكير المُطَوَّل وبعد صراع مع نفسها بأن تتجاوزَه، الشَّوق والحنين له عادا، فرَجَعت تحاوره: "سأسانِدُكَ بما تريد وسأعمل جهدي بأن لا أثقِّل وقتك بي." فيشكرُها على تفهمُّهِا له ويطلب منها أن يكون الوعد بينهما (كأصدقاء)!

هل برودة المسافات حوَّلَتْه عنها؟ أم حُبٌّ جديد أفضل من حبِّها طغى على حبِّه لها! هل ما بينهما كان فعلًا حُبًّا! هل كانت تُوهِم نفسَها بحُبِّه لها! تمرُّ الأيَّام وهي تنظر إلى نصِّه (كأصدقاء)، لم تعُد تملكُ الرَّغبة بالرَّدِّ عليه، يُرسل لها تحيَّاته والكثير من كلام الشَّوق، لكن هي تختار النَّظَر إلى الرَّسائل وتحتفظ بالرَّدِّ لنفسها!

في قرارها لا تستطيع أن تكرهه ولا أن تؤذيَه، فمَن أحبَّ لا يستطيع أن يكره. كانت تُريد رفيقًا للدَّرب وسندًا للطَّريق، لربما أنَّ دعاءَها لنفسِها في ساعة الاستجابة السَّماويَّة قد أبعَدَ عنها شَرَّ مُحِبٍّ، وربَّما الكثيرَ من مشاعر الحزن، والوحدة، وخيبة الأمل بداخلها. لكن تختار هي الوقوف أمام المرآة لترى انعكاسَ ما حدثَ على نفسها لتستطيعَ أن تكون مُستَعِدَّة للانطلاق في الحياة، ولتُجَدِّدَ القوَّة بإيمانها أنَّ الخير والأفضل سيأتيان لها فقط من يد العليِّ وليسَ من آخَر. اقتَنَعَت أنَّها كي تستطيعَ أن تواجه العالم، والعائلة، والمستقبل بحقيقة أنَّها ثمينة عند خالق الكون أبعدَه عنها، وهكذا ظلَّت ناظرة في المرآة حتَّى رأَت ما اعتادَت أن تراه في نفسِها من خالِقِها؛ بريقًا جديدًا في عينَيها بعد كلِّ إدراك لها كم هي محبوبة ومقبولة لدى الله!

إضافة تعليق
بريد ألكتروني