موضوعات أخرى

عُدتُ لأُكمِلَ مسيرتي

حكايات من الشارع
عُدتُ لأُكمِلَ مسيرتي
بقلم : لينا أبو سمرة

  في البداية كنتُ أمشي في طريقي إلى المدرسة، وأصاحبُ الطُّيور الَّتي تتردَّد عليَّ في الطَّريق الوعِرة، وأنظر إلى بنات جيلي يتسلَّيْنَ بأحاديثِهِنَّ بينما كنتُ أحادِثُ مخلوقات السَّماء. لكنَّني لم أعتقد حينها بأنَّه قد يأتي يومٌ قد أنظر فيه إلى كلِّ ذلك، وأشعر أنَّني من عالمٍ آخرَ بعيد.

  لقد كنت أتألَّم كثيرًا، لكنَّ ذلك بدا صغيرًا جدًّا أمام الألم الذي شعرتُ به عندما أخبرني الطَّبيب بأنَّني مُصابة بالسَّرطان، نظرتُ إلى أمِّي حينها، ورأيت في عينَيها ألمًا أكبر من الَّذي في قلبي، بدأَت تخفتُ القصص وتبهتُ الألوان. عندما تكونُ مريضًا بالسَّرطان يسهل توقُّع الجميع؛ فالجميع يأتون، ترى الشَّفقة في أعينهم، لرَّبما دمعة أو اثنتَين، لربما ضمَّة صغيرة، لكنَّك تستطيع أن تجزم بمجريات القصَّة قبل أن تبدأ مواعيد الزِّيارة.

  لكنَّني لم أكن أحبُّ القصص المتوقَّعَة، لذلك كنت أرمي في أعيُن الزُّوَّار قوَّة قبل دخولهم، ليكتموا الدُّموع والأسى، ونضحك سويًّا، ولو للحظة! فلا أحد يشعر بنار العلاج عندما تحرق جلدي، أو يتذكَّر اللَّيالي الَّتي لم أنمْ فيها، للحظةٍ فقط! وبعد أن ينتهيَ الضَّحك تنتهي تلك اللحظة. لقد كانت رحلة العلاج طويلة، ولم تكن تبدو نهايتُها جيِّدة، لكنَّني رفضتُ الاستماع إلى قصص أولئك الرَّاحلين عن أمَّهاتهم، وبدأتُ بالبحث عن النَّاجين؛ وهم يتحدَّثون عن أنفسهم، أردتُ كثيرًا أن أتحدَّث مثلَهم، وأقولَ للعالم إنَّني ناجية، أنا ناجية أيُّها العالم! وكان ذلك دافعًا آخرَ لأقاوم المرض.

 وأخيرًا، بدأتِ الطَّريق تتَّسع، وبدأت التَّفرُّعات الباهتة تتَّضح، وبدأتُ أرى فُسحَةَ أملٍ ذهبيَّة. لم أكن قد شُفيتُ بعد، لكنَّني علِمتُ في صلاتي بأنَّني ناجية. بعد حين، بدأت تتحوَّلُ رحلاتُ العلاج إلى فحوصاتٍ دوريَّةٍ، وعُدتُ إلى أحِبَّتي.

 كان العالَم مُختلِفًا كثيرًا، لقد شاخَتْ تلك الطُّيور في طريقي إلى المدرسة، وأصبحتُ أسلك الطَّريق الطَّويلة الإسمنتيَّة إلى الجامعة، لقد كبرتُ كثيرًا، فقد قاتلتُ وأنا طِفلة. أمَّا الآن، فقد اشتَدَّ زِندي وصرتُ كبيرةً، بدأتُ أدرُس، بل وتعلَّمْتُ العزف أيضًا لأعوِّض عن الصَّوت الجميل الذي فقدْتُه، لقد عدتُ لأُكمِلَ مسيرتي من حيث توقَّفْتُ، لكنَّني الآنَ عُدتُ أقوى!

إضافة تعليق
بريد ألكتروني