موضوعات أخرى

يقولون: إنَّ "اللهَ لا يتمَجَّدُ في المَرَضِ"

واقع الحال
يقولون: إنَّ "اللهَ لا يتمَجَّدُ في المَرَضِ"
بقلم: جورج عبدو

يقولون: إنَّ "الله لا يتمجَّد بالمرض". إنَّني أعترضُ!
دعوني أعترف أمامكم أنه من أكثر النَّاس الَّذين شجَّعوني في حياتي كانوا أشخاصًا مرضى، أو فقدوا عزيزًا نتيجة مَرَض. شجَّعوني لأنَّهم رأوا الواقع الحقيقيَّ للحياة، واكتشفوا أنَّها لا تتمحوَرُ حولَ الجسدِ والمادِّيَّاتِ بل هنالك ما هو أثمنُ، وأعظمُ، وأهمُّ، وأقدسُ من هذا "البُخار" الذي يظهر قليلًا ثم يضمَحِلُّ.
شجَّعوني لأنهم انتصَرُوا على المرض عقليًّا، وروحيًّا، ونفسيًّا، وعلِموا أنَّه مُجرَّد مرضٍ.
شجَّعوني لأنَّهم أثبتوا لي أنَّهم مؤمنون رغم المرض، وأنَّ الصِّحَّةَ لا ترشيهم.
شجَّعوني لأنَّهم علَّموني أن أحِبّ المُعطيَ (الله) أكثرَ من العَطِيَّة (الشفاء).
شجَّعوني لأنَّهم فهموا أنَّهم إن شفُوا اليوم، سيمرضون غدًا لا محالةَ، ومع هذا ثبتُوا.
شجَّعوني لأنَّهم أدركوا أنه بالنِّهاية الكلُّ سيموت، وواجهوا الموتَ بشجاعةٍ وإيمانٍ.
شجَّعوني لأنَّهم اهتمُّوا كثيرًا بشخصيَّتهم الباقية حتى إلى ما بعد الموت.
شجَّعوني لأنِّي رأيتُ جوهرَهُم الدَّاخليَّ الذي كشفَتْهُ الشِّدَّة، ويا لجمالِ الثِّمارِ الرُّوحيَّةِ الصَّالِحَةِ الخيِّرةِ الَّتي تضيءُ منهم رغمَ الألمِ!
شجَّعوني لأنَّهم أدركوا أنَّ مجد الله غير محدودٍ بالجسدِ والمادِّيَّاتِ.
شجَّعوني لأنَّهم نظرُوا بنظرة أوسعَ إلى المجدِ الأبديِّ، وليسَ فقط إلى الضِّيقة الوقتيَّة.
شجَّعوني لأنَّهم آمنُوا بما لا يرونهُ رغم قسوةِ ما رأَوهُ وحسُّوه.
شجَّعوني لأنَّهم لم يفشَلُوا رغمَ فناءِ جسدِهِم الخارجيِّ، لكنَّ داخلَهُم كان يتجدَّدُ يومًا فيومًا.
شجَّعوني لأنَّهم رغم عدم فهمِهِم للمرضِ وأسبابِه، لم تتزعزعْ محبَّتُهُمْ للهِ.
شجَّعوني إذ علَّموني المُثابرةَ وعدمَ اليأسِ حتَّى في أظلمِ اللَّيالي.
شجَّعوني أنْ أستَمِرَّ في السَّعيِ نحو الهدفِ بكلِّ الظُّروفِ ودونَ أيِّ عُذرٍ.
شجَّعوني أنْ أحِبَّ الحياةَ وأستَغِلَّ ما تبقَّى منها لأغراضٍ لا تبلَى.
أبكُوني عندما سمِعتُهُم يستفسرونَ عن صِحَّتِي، وهم يلتقطونَ أنفاسَهُم بصعوبةٍ.
علَّموني معنى الحُبِّ الحقيقيِّ المُضَحِّي، الَّذي لا ينظرُ إلى نفسِهِ بل إلى الآخرينَ حتَّى في أصعبِ الظُّروف؛ فهذه أكبرُ مُعجزةٍ!

لربما نتفلسَفُ كثيرًا عن المرض، أسبابِه، مصدرِه، شفائِه ومشيئةِ اللهِ منه. هذا أمرٌ جيِّدٌ، لكن بكُلِّ الأحوالِ، ليسَ منَ الحِكمَةِ أنْ نقولَ: "الله لا يتمَجَّدُ في المرض".

سأدعو لكَ بالشِّفاءِ العاجلِ إذا مَرِضْتَ، وأصلِّي من أجلِكَ بإيمانٍ، وأرافِقُكَ إلى المُستشفى، وأوصِي الطَّبيبَ بكَ، لكنْ أرجو أن تتذَكَّرَ أَنَّ وُجودَكَ ليسَ صدفةً، وأنَّك ما دُمتَ تتَنَفَّسُ فلديكَ هدفٌ -رغمَ المرَضِ- وتستطيعُ تحقيقَه.

إضافة تعليق
بريد ألكتروني